تشهد بوركينا فاسو مشهداً ضبابياً بعد الانقلاب العسكري وخروج مظاهرات تطالب برحيل القوات الفرنسية على غرار ما حدث في مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى، الأمر الذي عمق من عزلة فرنسا في أفريقيا وساهم في خدمة المصالح الروسية بعد أن تلقت ترحيباً من دول القارة.

الأفارقة يفضلون التعاون العسكري مع روسيا لأنها تزودهم بمعدات عسكرية ثقيلة دون شروط معقدة، على عكس فرنسا التي تربطها بشروط متعلقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان
ولا يزال الغموض يسود البلاد حول الجهة التي تقود الأوضاع الحالية، بعد وجود انقسام في الجيش وعدم اعتراف وحدات منه بعزل رئيس المجلس العسكري الحاكم المقدَّم بول هنري سانداوغو داميبا.


"فرنسا ارحلي"
اتهم الانقلابيون في بوركينا فاسو، فرنسا بدعم الكولونيل داميبا لاستعادة السلطة ما أربك المشهد في ظل نفي قاطع من باريس للاتهام، وأكد الانقلابيون عزمهم التوجه إلى شركاء آخرين على استعداد للمساعدة في مكافحة الإرهاب، وعُدّت تلك إشارة ضمنية إلى روسيا التي رفعت أعلامها خلال تظاهرات تشهدها بوركينا فاسو منذ يومين.

واعتبر الخبير في شؤون المنطقة بجامعة كينت في بروكسل إيفان غويشاوا في صحيفة العرب اللندنية، أن الانقلابيين يدرجون خطوتهم بوضوح شديد ضمن الاستقطاب الحاصل بين روسيا وفرنسا، وأضاف "من المدهش أن نرى الانقلابيين يعلنون تحمسهم بهذه السرعة لشريكهم الستراتيجي المتميز، كنا نتخيل أنهم سيأخذون السلطة أولاً ثم يصعّدون الموقف".

وطرح الخبير فرضيتين إما أن العمل مع الروس كان مشروعهم منذ البداية وبالتالي نحن أمام خطة مدروسة بعناية لزعزعة الاستقرار، أو أنهم يستغلون بشكل انتهازي الاستقطاب الفرنسي – الروسي لحشد الدعم لمشروعهم المترنّح.




انفلات أمني
وتعرض مبنى السفارة والقنصلية الفرنسيتين في واغادوغو لاعتداءين أول أمس السبت وأمس الأحد، شهد إضراماً للنار في حواجز حماية ورشقها بالحجارة، ما يمثل الصفعة الأكثر قسوة لباريس لأنها تندرج ضمن نزوع خطير.

وكان المحتجين وأغلبهم من الشباب، يحملون لافتة داعمة لقادة المحاولة الانقلابية، ويرددون شعارات مؤيدة للنقيب إبراهيم تراوري الذي عينه الانقلابيون رئيساً للبلاد، ولكن المحتجين الغاضبين أيضاً كانوا يهتفون ضد فرنسا التي يتهمونها بأنها تدعم العقيد داميبا، وتوفر له الحماية.

واقتحم المحتجون مبنى السفارة الفرنسية، وأضرموا النيران في أجزاء منه، قبل أن يقتحموا القنصلية الفرنسية في المبنى نفسه، وقاموا بتخريب بعض المكاتب، كما أضرموا النيران في بعض مرافق المعهد الثقافي الفرنسي الملاصق لمبنى السفارة.

وفي أول رد فعل رسمي، قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الفرنسية، إن بلادها تدين بأشد العبارات استهداف سفارتها في واغادوغو، وأكدت أن سلامة رعاياها أولوية لا مجال للتلاعب بها، وأضافت أنه تقرر تشكيل خلية أزمة في واغادوغو؛ من أجل ضمان سلامة جميع الرعايا الفرنسيين، وخاصة عمال السفارة والقنصلية.


توغل روسي
ومع فشل عملية برخان العسكرية التي أطلقتها باريس في 2014، وانسحابها من مالي منتصف أغسطس(آب) الماضي، بدأ يتراجع النفوذ الفرنسي في المنطقة، ما أتاح لروسيا التوغل أكثر في بوركينا فاسو.

وأرسلت موسكو مدربين وعناصر من فاغنر إليها، وقامت بتزويدها بأسلحة خفيفة وثقيلة بما فيه الطيران الحربي (المستعمل)، مقابل الاستفادة من حقوق استغلال مناجمها المعدنية، خاصة وأنها خامس أكبر منتج للذهب في إفريقيا، ناهيك عن الفوسفات والمنغنيز والزنك.

وتحدث تقرير حديث صادر عن معهد البحوث الإستراتيجية التابع لوزارة الدفاع الفرنسية عن "انتشار محتوى مضلل عبر الإنترنت يهدف غالباً إلى تشويه الوجود الفرنسي وتبرير حضور روسيا".

وأكد مصدر أمني من غرب أفريقيا أن الرياح الإقليمية غير مواتية لباريس، متسائلاً بسخرية "من التالي؟"، وأضاف "شعار (فرنسا ارحلي) يتردد أيضاً في السنغال وساحل العاج، وإن كانت هذه الأصوات ضعيفة حتى الآن".

وقد تضطر فرنسا في نهاية المطاف إلى مغادرة بوركينا حيث ينتشر حوالي 400 من عسكرييها ضمن قوة "سابر" الخاصة التي تدرب الجيش المحلي في ثكنة قرب واغادوغو، وهذا الرحيل مؤكد في رأي مصدر عسكري عمل مرات عدة في منطقة الساحل.


استراتيجية جديدة
وتسعى فرنسا بعد طردها من مالي لإعادة بناء إستراتيجية جديدة لها في منطقة الساحل وغرب أفريقيا، تهدف بالأساس إلى منع تمدد الجماعات المسلحة بالمنطقة، ومحاصرة النفوذ الروسي فيها، وليس من المستبعد أن يُنظر إليها على أنها وجه آخر من أوجه الاستعمار الجديد.

وتضع الإستراتيجية الفرنسية النيجر نقطة ارتكاز لمواجهة التنظيمات الإرهابية والتمدد الروسي في الساحل، باعتبارها الدولة الوحيدة التي تتمتع بنظام ديمقراطي لم يأت بانقلابات، على عكس مالي وبوركينا فاسو.

كما تسعى باريس حالياً لإعادة ابتكار جهاز عسكري وأمني فرنسي، خصوصاً في منطقة الساحل، بعد أن أدت سياستها السابقة إلى انتشار الجماعات الإرهابية على نطاق واسع في وسط أفريقيا وغربها، رغم أنها أجهضت مشروع إقامة إمارات للقاعدة وداعش في شمال مالي.

وتسعى الإستراتيجية الفرنسية لإعادة نشر جزئي أو كلي لـ2400 عسكري من جنودها الموجودين في مالي ببلدان الساحل الأربعة وخاصة النيجر وتشاد وبدرجة أقل بوركينا فاسو وموريتانيا، لكن أدوراهم ستكون مختلفة، إذ تعتمد على تدريب إضافي للجيوش المحلية وتعاون استخباراتي.