رأى جيمس كرابتري، كاتب عمود في مجلة "فورين بوليسي"، والمدير التنفيذي للمعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية-آسيا، إن التنازلات بين الولايات المتحدة والصين باتت صعبة على نحو مُتزايد – خاصّة في ما يتعلق بتايوان.

حقيقة الأمر أن الأطراف الثلاثة جميعاً – وأعني الصين والولايات المتحدة وتايوان – تقوِّض الوضع الراهن بطريقة أو بأخرى
 وأشار الكاتب في مقال في المجلة الأمريكية إلى انقطاع العلاقات بين الرئيس الأمريكي جو بايدن ونظيره الصيني شي جين بينغ، معتبراً أن العلاقات الثنائية بين البلدين هي الأسوأ منذ عقود إثر زيارة نانسي بيلوسي، المتحدثة باسم مجلس النواب الأمريكي، إلى تايوان، وردة فعل الصين اللاحقة لتلك الزيارة.

وأضاف الكاتب: "يبدو واضحاً الآن أنّ بايدن وشي سيتلقيان على الأرجح وجهاً لوجه في قمة العشرين المقرر انعقادها في إندونيسيا في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وإذا جلسا معاً حقاً في غضون ثلاثة أشهر، فسيستغرق فريق كل منهما في التفكير في طرائق لإصلاح الضرر الذي وقعَ. ولكن، لكي يحدث ذلك يتعين على الجانبين أن يجريا تحليلاً دقيقاً لعلة عدم استقرار الأوضاع على هذا النحو في تايوان، وهما بحاجة إلى الإقرار بأن الأوضاع من الأرجح أن تزداد سوءاً دون تدخل من القيادة العليا".

وقف تداعي العلاقات
منذ بداية فترة بايدن الرئاسية، تحدَّث الأخير مع شي أربع مرات هاتفياً أو عن طريق مؤتمرات الفيديو. ورغم المسار المتداعي الثابت للعلاقات الصينية الأمريكية، كانت اتصالاتهما مثمرة نوعاً ما في حقيقة الأمر. فبايدن يتحدث كثيراً عن الحاجة إلى ضرورة وضع «أسيجة حماية» لحقبة جديدة من المنافسة بين القوى العظمى. ومن ناحيته، يُضمر الرئيس شي أهدافاً بعيدة الأجل الغاية منها قلْب النظام الإقليمي القائم في قارة آسيا. وهو يحذِّر أيضاً دائماً من تجاوز الحدود الحمراء التي تفرضها الصين على تايوان. فقد اقتبس وزير خارجية الصين كلامَ شي في آخر اتصال له في يوليو (تموز) 2022، مشيراً إلى قلق الصين من استقلال تايوان قائلاً إن "الذين يلعبون بالنار سيحترقون بها." ولكن، على المدى القريب على الأقل، والكلام للكاتب، يبدو أن شي أيضاً يفضِّل الاستقرار والاستمرارية لعلاقاته مع الولايات المتحدة.

يوحي سجل بايدن وشي الحافل بالعلاقات الوديّة في ظاهرها بإمكانية أن يتمكن القائدان من وقف تداعي العلاقات بينهما، على الأقل مؤقتاً. غير أن أي آمال تتعلق بهذه المسألة لا بد أن تكون مُقيَّدَة بشدة لسببين.

وأوضح الكاتب أن السبب الأول الذي يدعونا إلى التشكك هو الدروس التي تعلمها كل طرف من الأزمة الأخيرة. ببساطة شديدة، الأرجح أن بكين وواشنطن تشعران بأنهما خرجتا دون مساس إلى حدٍ معقول من أزمة زيارة بيلوسي. ويخلق ذلك حافزاً محدوداً للتنازلات أو تفادي تكرار هذه الأزمة في المستقبل.

أولاً، لدى الصين أسباب تدعوها إلى التفاؤل. فبكين تسعى أساساً إلى استعادة تايوان بمرور الوقت بإجراءات لا ترقى إلى الحرب. لكنها تخشى من أن تجنح تايوان إلى الاستقلال رسمياً، بدعمٍ مما تعدُّه تدخلاً أمريكياً متهوراً. وبالنظر إلى الخطوط الحمراء التي بيَّنتها الصين، فإن هذه الخطوة ربما أجبرتها على أن تخوض حرباً لكان من الأفضل لها أن تتفاداها، على الأقل خلال الوقت الراهن. إن بكين تشعر بالحاجة إلى الإشارة إلى انزعاجها الشديد بسبب زيارة بيلوسي لتتفادى هذا السيناريو.

ولكن، على مدار الأسابيع الأخيرة، حققت بكين أهدافاً أخرى بالغة الأهمية، بحسب جيمس كرابتري، بما في ذلك إطلاق صواريخ باليستية مباشرةً فوق الجزيرة – لا فوق مياهها الإقليمية وحسب – لأول مرة في التاريخ. ولقد أتاحت التدريبات العسكرية الصينية فرصة نادرةً أيضاً للتدريب على عمليات مُشتركة تضم فروعاً مختلفة من جيش التحرير الشعبي، كانت في الواقع بمثابة تجربة نظرية على حصار مُستقبلي. والنتيجة تغير دائم محتمل في الوضع العسكري الراهن عبر مضيق تايوان لصالح بكين.

ويقول الكاتب إنه من المهم أن الصين استطاعت أن تحقق كل ذلك وأبقت القسم الأكبر من البلدان المجاورة مؤيداً لها. فقُرب الوقت الذي اندلعت فيه الأزمة، أصدرت وزيرة الخارجية الأستراليّة بيني وونغ بياناً يوحي بأن الدول العقلانية لا ينبغي لها دعم تسوية النزاعات الدولية بوابلٍ من الصواريخ. وأضافت بقولها: "إن أستراليا قلقة للغاية من إطلاق الصين صواريخ باليستية في المياه الإقليمية حول الشريط الساحلي لتايوان. فهذه التدريبات العسكرية غير مُتناسبة ومثيرة للقلاقل." ولكن، ترى غالبية دول جنوب شرق آسيا سِراً على الأقل أنّ واشنطن، لا بكين، تتحمل القدر الأكبر من اللوم على هذه الأزمة، إذ عدَّت الزيارة الأخيرة لبيليوسي استفزازاً غير ضروري.

 حرب العلاقات العامة
وأوضح جيمس كرابتري أن الولايات المتحدة على الأقل تدرك أنها تُخاطر بخسارة حرب العلاقات العامة في آسيا بسبب زيارة بيلوسي. فقد قدَّمَ كورت كامبل المنسق الأول لمجلس الأمن القومي لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ بياناً صحافياً رسميّاً يوم الجمعة الموافق 12 أغسطس (آب) ردَّدَ فيه صدى انتقادات وونغ إذ قال إن "تصرفات الصين تتعارض أساساً مع هدف إقرار السلام والاستقرار. وهدف هذه الحملة واضح: تخويف تايوان وممارسة ضغوط عليها وتقويض قدرتها على الصمود".

ومع ذلك، يرى الكاتب أن الولايات المتحدة لديها أسباب أخرى تجعلها راضيةً عن الأحداث الأخيرة. لم يكن بايدن بأي حال من الأحوال يود أن تزور بيلوسي تايوان. ولكن، عندما أمسى واضحاً أنها ستقوم برحلتها، لم تتراجع واشنطن في مواجهة الضغوط الصينية. وبذلك، أعادت الولايات المتحدة ترسيخ سياستها التي تفيد بأن رئيسة مجلس النواب الأمرييك ينبغي أن يُسمح لها بزيارة الجزيرة، بالضبط كما فعل المتحدث باسم مجلس النواب نيوت غينغريتش في عام 1997 آنذاك. وبشكلٍ أكثر عموميّة، ستساعد أحداث الأسابيع الأخيرة الولايات المتحدة على إقناع شركائها الإقليميين – كأستراليا واليابان والهند – بضرورة التخطيط بجديَّة لحالة طوارئ محتملة في تايوان.

عقبات على طريق اللقاء
واختتم جيمس كرابتري تحليله بالقول: "سيكون التغلُّب على هذا التصور للنجاح النسبي من جانب الطرفين، أول عقبة يتصدى لها بايدن وشي إذا أرادا أن يسعيا وراء لون من الاستقرار عندما يتلقيان في نوفمبر(تشرين الثاني) المقبل. والعقبة الثانية أكثر تعقيداً. فالصين والولايات المتحدة تدعمان الوضع الراهن في تايوان. ولكن، الواقع أن الأطراف الثلاثة جميعاً – وأعني الصين والولايات المتحدة وتايوان – تقوِّض الوضع الراهن بطريقة أو بأخرى".