السفير الروسي في أنقرة لن يؤثر على الاجراءات العسكرية – السياسية والاستراتيجية في سورية – ولا على علاقات روسيا وتركيا.
فمنفذ الاغتيال، الذي صفاه رجال الحراسة هو خريج اكاديمية الشرطة وكان سعى الى الاحتجاج على مذبحة الشعب التي ترتكبها روسيا ونظام الأسد بإسناد من ايران والميليشيات الشيعية التي توجهها. كما سعى بذلك الى الاحتجاج على موقف حكومة بلاده التي تقف غير مكترثة امام مشهد فظائع الحرب وعمليا غيرت في الاشهر الاخيرة سياستها وهي تتعاون مع روسيا – ايران والأسد.
يمكن التقدير بأن هدف منفذ العملية كان أيضا – وربما أساسا – المس بالعلاقات بين أنقرة وموسكو. فهذه العلاقات آخذة في التحسن في الفترة الاخيرة، بعد التوتر الذي كان بين الدولتين قبل اكثر من نصف سنة، إثر اسقاط سلاح الجو التركي طائرة قتالية روسية في سماء سورية. ومنذ أمس اتصل الرئيس التركي رجب طيب اردوغان بنظيره الروسي فلاديمير بوتين، اعتذر عن الحادثة وشرح ملابساتها، واعدا اياه بالتحقيق فيها بجذرية وتقديم كل من كان شريكا في الاغتيال الى المحاكمة.
سارعت مصادر في تركيا الى تحميل مؤيدي فتح الله غولان، الخصم المرير لاردوغان، المبعد في الولايات المتحدة بالمسؤولية عن الحدث. فقد اتهم اردوغان ورجاله بالمسؤولية عن الانقلاب العسكري الذي جرى ضده في الصيف، وفي أعقابه فتح موجة من التطهيرات والاعتقالات ضد منظماته ومؤسساته.
كشف الاغتيال امام الكاميرات التي خلدت الحدث في المعرض الذي عرض فيه "روسيا في نظر الاتراك" – قصورات الحراسة، سواء لروسيا أم لتركيا. فالسفير لم يكن محروسا. واذا كان، فإن حراسه لم يكونوا قريبين منه ورد فعلهم كان بطيئا. كما أن قدرة المنفذ على ادخال مسدس الى المكان، فيما ليس واضحا اذا كان قد اجتاز تفتيشا أمنيا، يشير الى اهمال كبير.
ولكن حادثة كهذه أو تلك لا يمكنها أن تحرف عن مسارها استراتيجية الدول ذات الصلة. فمنذ اليوم ستفتتح كما كان مخططا المحادثات في موسكو بين وزراء خارجية روسيا، تركيا وايران، للبحث في مسار سياسي لسورية، بعد أن سقطت في يد نظام الاسد.
إن مصالح الدول الثلاثة اقوى من كل حادثة – حتى لو كانت قتل سفير. في الواقع الجديد الذي يتبلور في سورية، تؤدي تركيا دورا ثانويا. فكل ما يعني اردوغان هو منع اقامة كيان كردي مستقل أو شبه مستقل، يكون له تواصل اقليمي على طول الحدود التركية – السورية.
مع دخول حلب، حيث قصفت طائرات سلاح الجو الروسي بلا تمييز المقاتلين المسلحين والمدنيين، المستشفيات ودور الايتام، تعرض روسيا بوتين وحشيتها وتصميمها عديم الكوابح لتحقيق اهدافها.
هكذا بالضبط عمل بوتين عندما قمع التمرد الشيشاني قبل اكثر من عرض. والاسد وسورية هما فقط المرحلة الاولى في الطريق الى العودة الى روسيا القديمة: تثبيت روسيا كقوة عظمى في الشرق الاوسط، ولا سيما أمام الفراغ الذي تخلفه السياسة الهزيلة للرئيس الاميركي باراك أوباما وعدم اليقين بالنسبة لنوايا الرئيس المنتخب دونالد ترامب.