تترنح الهدنة السورية وسط خلاف روسي أميركي حول نصوص الاتفاق، الذي بدأ العمل به مساء الاثنين الماضي، الامر الذي يهدد بانهياره لتشتعل جبهات القتال مجددا في مختلف مناطق سورية.
فبينما أعلن الجيش الروسي أمس ان الوضع في سورية يسوء، قال مراقبون إن هناك غموضا يتعلق بتفسير بنود اتفاق الهدنة، الامر الذي أدى إلى الغاء اجتماع مجلس الأمن الدولي أول من أمس.
وتأخذ روسيا على الولايات المتحدة فشلها في الالتزام بتطبيق النقطة الواردة في الاتفاق التي تنص على اجراء فصل واضح بين الفصائل السورية المعتدلة (السلمية)، والاخرى المتشددة (الإرهابية)، وفك ارتباط الأولى بالثانية.
ويلحظ مراقبون أن هناك خلافا ظاهرا في واشنطن حول اتفاق الهدنة، بين وزارة الخارجية التي تفاوضت حوله برئاسة الوزير جون كيري، ووزارة الدفاع (البنتاغون) الذي من المفترض ان تتحمل مسؤولية تطبيقه، لافتين الى ان اوساطا نافذة في واشنطن صرحت بان الوزير اشتون كارتر، عارض الاتفاق بشدة.
ويرى المراقبون، ان نجاح الهدنة يستدعي مباشرة القصف الجوي الروسي الأميركي الروسي على مواقع لتنظيم جبهة "فتح الشام" او "النصرة" سابقا، واحرار الشام المتحالفة معها، وهو ما كان مفترضا ان يبدأ غدا، أي بعد اسبوع من تنفيذ الاتفاق.
وقالوا إن غالبية فصائل المعارضة المسلحة أعلنت معارضتها للاتفاق، وفك الارتباط مع "النصرة" الامر الذي أدى إلى توجيه انتقادات معارضة لواشنطن وتركيا بالخيانة، والتخلي عن المعارضة، والسقوط في المصيدة الروسية. واعتبر المراقبون أن الولايات المتحدة لم تنفذ تعهدها بفك الارتباط بين الفصائل المسلحة المعتدلة، و"فتح الشام" (النصرة سابقا) .
وأكد المراقبون ان انهيار اتفاق الهدنة يعني التصعيد العسكري على نطاق اوسع، لافتين إلى أن موسكو تشعر بحالة من الغضب وخيبة الامل معا، لان الاتفاق حقق كل مطالبها في قصف أميركي روسي مشترك لجبهة النصرة وحلفائها، جنبا الى جنب مع قصف "داعش".
الوضع السوري يسوء
الجيش الروسي أكد أمس أن الوضع في سورية "يسوء" مؤكدا ان الفصائل المقاتلة نفذت أكثر من 50 هجوما على القوات الحكومية السورية وعلى المدنيين في 24 ساعة.
وقال الجنرال فلاديمير سافتشنكو "الوضع في سورية يسوء".
واضاف "خلال الساعات الاربع والعشرين الماضية ارتفع عدد الهجمات بشكل كبير" مع تنفيذ 55 هجوما على المواقع الحكومية والمدنيين.
ولفت إلى أن 12 مدنيا قتلوا في الهجمات بينهم طفلان ومتطوع في الهلال الاحمر السوري.
واوضح ان الفصائل المقاتلة تستغل وقف اطلاق النار لاعادة تجميع صفوفها "وتخطط لشن هجوم" و"من المحتمل ان تشهد مناطق حساسة مثل حلب ودمشق وطرطوس واللاذقية أعمالا ارهابية".
بدوره، أكد الجنرال فيكتور بوزنيخير ان "هناك هجمات مستمرة"، موضحا ان "عدم التزام الجماعات المسلحة غير الشرعية بوقف اطلاق النار وعدم وجود حواجز في الجزء الشرقي من طريق الكاستيلو الذي يسيطر عليه المسلحون لا يسمح لنا بضمان توزيع آمن للمساعدات الانسانية في حلب".
وانتقد مسؤولون عسكريون روس الولايات المتحدة بشدة في شان مدى التزام مقاتلي المعارضة لوقف اطلاق النار الذي تم التوصل اليه الاسبوع الماضي في جنيف في محاولة لوقف سفك الدماء في سوريا. وتسري الهدنة منذ خمسة ايام.
وقال بوزنيخير ان "روسيا تبذل كل جهد ممكن لتمنع القوات الحكومية من الرد على النار (..) واذا لم يتخذ الجانب الأميركي الاجراءات اللازمة لتنفيذ التزاماته (..) فان الولايات المتحدة ستتحمل مسؤولية انهيار وقف اطلاق النار".
وصرح بوزنيخير ان "الولايات المتحدة وما يسمى الجماعات المعتدلة التي تسيطر عليها لم تف بالتزام واحد تعهدت به في اطار اتفاق جنيف".
واكد انه "بدون الفصل بين المعارضة والجهاديين، فان ايدي القوات الحكومية مقيدة"، مشيرا الى ان "رسائلنا المتكررة للجانب الأميركي لم تلق استجابة".
وتابع "لا شك في ان الولايات المتحدة قادرة على التأثير على المعارضة المعتدلة التي تسيطر عليها، ومستعدة لمواصلة ضمان اتفاقات جنيف".
ودعا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف نظيره الأميركي جون كيري، خلال اتصال هاتفي امس السبت، إلى إشراك عسكريين أميركيين في آلية مُراقبة الهدنة المعلنة في سورية.
المساعدات "الإنسانية" لا تصل لمحتاجيها
وذكرت وزارة الخارجية الروسية أن لافروف حثّ، في الحديث الذي جاء بمبادرة من الجانب الأميركي، واشنطن على الضغط على المُسلّحين لإيصال المساعدات الانسانية للمناطق المتضرّرة. كما دعاها إلى ضمان مشاركة الجيش الأميركي الكاملة في تطبيق آلية مراقبة الالتزام بوقف النار في سورية والردّ على الانتهاكات.
ولفت لافروف نظر الجانب الأميركي إلى ضرورة فصل المعارضة المعتدلة عن الجماعات الإرهابية المستمرة في القتال وإجبارها على وقف إطلاق النار، مجدّداً الدعوة إلى الإفصاح عن فحوى الاتفاق الروسي-الأميركي حول سورية بما يخدم تفادي اللبس، وإطلاع المجتمع الدولي على الوضع الحقيقي وسير تطبيق الاتفاق.
بدوره، أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، السبت، التزام بلاده بتعهّداتها حول الهدنة في سورية، داعياً واشنطن إلى الالتزام بدورها وإلى مزيد من الشفافية في الإفصاح عن مضمون الاتفاق المُشترك حول الهدنة في سورية، بعدما رفضت الإدارة الأميركية الإفصاح عن مضمون الاتفاق خلال جلسة مُغلقة لمجلس الأمن الدولي، الجمعة، ما أدى إلى إلغائها في اللحظة الأخيرة.
وقال بوتين، في مؤتمر صحفي على هامش قمة رابطة الدول المستقلة في بيشكيك: "شعورنا إيجابي أكثر منه سلبي بشأن وقف إطلاق النار، وأرغب في أن نكون صريحين مع بعضنا، لا افهم صراحة لماذا علينا أن نُخفي أي اتفاقات"، معتبراً أن الولايات المتحدة ترفض الإفصاح عن فحوى الاتفاق لأنه سيتّضح للمجتمع الدولي "ما يُنفذّه هذا الطرف أو ذاك، وما يعجز هذا الطرف أو ذاك عن تنفيذه".
واعتبر بوتين أن الولايات المتحدة تُواجه صعوبات في سورية تتمثّل في عجزها عن الفصل بين المُعارضة "السلمية" والزُمر "الشبه إجرامية"، لأنها (واشنطن) "ترغب في الحفاظ على القُدرات القتالية للمُسلّحين ضدّ حكومة الرئيس السوري بشار الأسد الشرعية".
وأكد أن الجيش السوري "ملتزم تماماً" بالهدنة، لكن الفصائل المُسلّحة "تستغلّ الهدنة لإعادة تجميع صفوفها"
وألغى مجلس الأمن الدولي، الجمعة، اجتماعاً طارئاً كان دُعي إليه لبحث الاتفاق الروسي-الأميركي في سوريةا، بطلب من واشنطن وموسكو.
وكان من المقرّر أن يُقدّم المبعوثان الأميركي والروسي، خلال الاجتماع، تفاصيل حول الاتفاق المشترك، لكنّ واشنطن رفضت نشر تفاصيل الهدنة. واتهم مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة فيتالي تشوركين، الجمعة، واشنطن برفض تقاسم وثائق مُتعلّقة بالاتفاق مع مجلس الأمن الدولي.
واستبعد تشوركين توصّل مجلس الأمن لقرار يدعم الاتفاق لإحجام واشنطن عن نشره. وقال: "لا نستطيع أن نطلب من أعضاء مجلس الأمن دعماً لموضوع، لا يعلمون ما هو مضمونه"، مضيفاً أن الولايات المتحدة ترفض ليس فقط توفير الوثائق، ولكن "حتى مجرد قراءة هذه الوثائق لأعضاء مجلس الأمن".
وتتحفّظ الولايات المتحدة على إطلاع الأمم المتحدة على تفاصيل الاتفاق، مُشدّدة على حرصها على سلامة بعض الفصائل المُسلّحة التي يدعمها الأميركيون في سورية.
وبرّر المتحدث باسم البعثة الأميركية في الأمم المتحدة سبب إلغاء الاجتماع بقوله إن من شأن ذلك أن يُؤثر على إيصال المُساعدات الانسانية. وقال ممثل البعثة: "نحن نُركّز الآن على تنفيذ الاتفاق، خاصة فيما يتعلّق بالحاجة الماسّة لإيصال المساعدات الإنسانية، وبما أننا لم نتمكّن من الاتفاق على نهج لإعلام مجلس الأمن، الأمر الذي من شأنه أن ينتهك الإجراءات الأمنية للتحضيرات، فقد تمّ إلغاء الاجتماع، ونتوقّع مشاركة كبيرة في قمة بخصوص سورية الأسبوع المقبل، عندما يجتمع قادة العالم في نيويورك".
وكان الرئيس الأميركي باراك اوباما، عبر عن قلقه من عدم تطبيق العناصر الرئيسية في الاتفاق الأميركي-الروسي حول سورية حتى الآن.
وقال البيت الأبيض إن أوباما بحث مع مجلس الأمن القومي الأميركي الثغرات في تطبيق الاتفاق، مضيفاً أن "الرئيس عبّر عن قلقه العميق من أنه على الرغم من تراجع العنف في البلاد، يُواصل النظام السوري عرقلة إيصال مساعدة انسانية ضرورية".
اشتباكات وحلب أكثر هدوءا
وتجدّد القصف الجوي والاشتباكات بشكل محدود على جبهات عدة في سورية. وقال مدير "المرصد السوري لحقوق الانسان" رامي عبد الرحمن: "تجدّد القصف والاشتباكات بشكل محدود على جبهات عدة في سورية، أبرزها الغوطة الشرقية وريف حمص الشمالي"، مشيراً إلى أنه "حتى اللحظة، تُعدّ مدينة حلب الجبهة الأكثر هدوءاً".
وأفاد "المرصد" بتجدّد الاشتباكات ليلاً، وبعدما كانت تراجعت حدّتها خلال الأيام الأربعة الأولى من الهدنة، باستثناء بعض النيران المُتقطّعة، في الغوطة الشرقية قرب دمشق بين الفصائل الإسلامية والقوات السورية "في محاولة من قبل الأخيرة للتقدّم في المنطقة".
وأعلن المركز الروسي للهدنة في سورية "حميميم"، السبت، التوصّل لاتفاق على مرور قافلة مساعدات إنسانية، الأحد، إلى مدينة المعضمية في ريف دمشق.
وقال رئيس المركز الروسي للهدنة في سورية فلاديمير سافتشينكو إن "الحكومة السورية تضمن مرور قافلة المساعدات بالأراضي الواقعة تحت سيطرتها، لكن مسألة أمن القافلة أثناء مرورها بالأراضي التي تُسيطر عليها المُعارضة المُعتدلة، التي يُمكن التأثير عليها فقط من قبل الولايات المتحدة" غير مضمونة بعد.
وأكدت الحكومة السورية أنها قامت بكل ما هو ضروري من أجل إيصال المساعدات الإنسانية إلى محتاجيها في أي مكان في سورية.
ونقلت وكالة "سانا" السورية للأنباء عن مصدر مسؤول في وزارة الخارجية والمغتربين السورية قوله، في بيان، إن الحكومة السورية تُؤكد أنها قامت بكل المطلوب منها لتسهيل وصول قافلة المساعدات الإنسانية إلى شرق حلب، وهي لم تتلقّ أي ضمانات تتعلّق بأمن القوافل، حيث مازال المُسلّحون يُطلقون النار على الطريق الذي ستسير عليه هذه القوافل.
وأضاف المصدر إن الحكومة السورية تُشدّد مجدداً على قيامها بكل جهد إيجابي بناء لتحقيق هدف إيصال المساعدات الإنسانية إلى مستحقيها، وتُعرب عن استعدادها للحوار والتعاون مع الجهات الدولية المعنية لتنفيذ ما تمّ التوافق عليه مع الأمم المتحدة وخاصّة الإجراءات المُتعلّقة بالأوضاع الإنسانية.-(وكالات)
وكالة كل العرب الاخبارية