المزيد
ترامب والمسلمون وأميركا!

التاريخ : 12-03-2016 |  الوقت : 11:00:22

بمناسبة تقدم دونالد ترامب مرشحاً محتملاً للرئاسة الأميركية عن الحزب الجمهوري، وهو صاحب الأطروحات الشهيرة عن منع المسلمين من دخول الولايات المتحدة، يحلو لي أن أتذكر أنني تلقيت في شهر رمضان ماض، طلباً من أحد الأصدقاء المقيمين في أميركا للمساعدة في الإجابة عن أسئلة مسابقة "ثقافية" نظمتها لجنة تُعنى بشؤون المسلمين والعرب في المنطقة التي يسكنها. وقد كان ظني أن الأسئلة ستكون متعلقة بالواقع الإنساني المعاصر، وبالقضايا الحضارية الكبرى. وكم كانت المفاجأة كبيرة حين انهالت بنود المسابقة تسأل عن ابن تيمية وعذابات أحمد بن حنبل ومؤلفات التراث ذات العناوين المسجوعة!
أليس منطقياً، والحالة هذه، أن نتساءل: ما الذي يفعله المسلمون الذين هاجروا من بلادهم المتأخرة حضارياً، يأساً منها، إلى بلاد متحضرة بحثاً عن حياة أفضل؟ أحقاً يصرون على التمسك بفكرة العيش في الماضي بدلاً من الواقع المعاصر؟ ولماذا إذن تركوا أوطانهم وأهلهم ما داموا مسرورين بحالهم الحضارية هذه؟ ثم كيف يفسرون سلوكهم ذاك: بالحفاظ على الثقافة والهوية؟! أليس في ذلك "الحفاظ" استقالة من واجبات الأمة في عصرها الجديد، وأهمها نقل الحضارة والمعرفة المعاصرة إلى أوطاننا، لعله يكون لنا نصيب في التقدم والنهضة الحقيقية يوماً ما؟!
إذا كنا ندرك أن أفضل ما في الحضارة الغربية المعاصرة هو منهجية التفكير القائمة على طرح الأسئلة عوضاً عن ترديد المحفوظات، وعلى النقد بدل المسلمات، فإن علينا السعي إلى نقل تلك المنهجية إلى مجتمعاتنا، باعتبار ذلك سيُحدث ثورة ثقافية حقيقية، تهز حالة الركود التي نعيشها، وتساعدنا في إيجاد حلول قادرة على توجيهنا إلى الدخول في العصر. وهي المهمة التي لم تستطع أن تنهض بها ثورات "الربيع العربي" لأنها هي الأخرى قامت على ثقافة تعارض طرح الأسئلة!
من الواضح أن المسابقة (الثقافية!) المذكورة، الموجهة إلى مسلمين وعرب في أميركا، مهتمة جداً بتثبيت المسلمات، فهي تخلط بين الإسلام وتاريخ المسلمين، وهو الأمر السائد بين المسلمين هذه الأيام. هكذا فإن الأسئلة التي تظن أنها تتمسك بالهوية الإسلامية، إنما تسأل عن تاريخ بشر، لا عن منظومة إسلامية تمثل ثقافة وهوية. ولو أن واضعي الأسئلة أو المجيبين عنها فكروا وفق منهجية التفكير التساؤلي السائدة في الغرب، وبالاستفادة منها، لوضعوا أسئلة همها تحفيز المسلمين المشاركين في المسابقة على التفكير في موضوعات ملحة حضارياً، مثل أزمة التكوين الأبوي للمجتمعات في العالم العربي، وانعكاساته السياسية على مشاركة الناس وحضورهم وتفاعلهم مع قضاياهم اليومية والاستراتيجية، وعن موقع العرب والمسلمين في ظل التبدلات السريعة للتحالفات بين القوى الرئيسة في العالم، وعن الآفاق الممكنة للعرب بعد خمس سنين من ثوراتهم الشعبية ضد الاستبداد، وعن مستقبل العرب بعد نضوب النفط. لكنهم لم يفعلوا، وما كان لهم أن يفعلوا وقد هاجروا من مشكلات بلدانهم الاقتصادية، ولما يهاجروا من مشكلاتها الثقافية العميقة.
بينما ندين دونالد ترامب على عنصريته تجاه المسلمين، علينا التفكير أيضاً في إمكانية أن يتحول المهاجرون المسلمون إلى الولايات المتحدة الأميركية، التي هي الدولة العظمى الوحيدة في العالم حالياً، والحاصلون على جنسيتها، جسراً تعبر من خلاله الحضارة الجديدة، بمحمولاتها الثقافية ومنهجيتها في التفكير، إلى مجتمعاتنا، فيكونون بمثابة الأداة التي تضرب على تأخر مجتمعاتهم الأم الثقافي والفكري والمعرفي، فتلك هي الوسيلة الحقيقية لمنع ظهور أمثال ترامب، بدل أن يظلوا مجموعة لا حول لها وهي تتعرض للعنصرية، لأنها بلا دور حضاري، تماماً كمجتمعاتها الأم، ولكن في المهجر!

وكالة كل العرب الاخبارية



تعليقات القراء
لايوجد تعليقات على هذا الخبر
أضف تعليق
اضافة تعليق جديد

الحقول التي أمامها علامة * هي حقول لابد من ملأها بالبيانات المطلوبة.

:
:
:
 
أخر الأخبار
اقرأ أيضا
استفتاءات
كيف تتوقع نهاية الاحداث الجارية في قطاع غزة؟



تابعونا على الفيس بوك