لم أجد خبر شبكة "سي. إن. إن" الأميركية عن التحضيرات لحرب برّية ضد تنظيم "داعش"، مقنعا. هذا قبل النفي الأردني الذي قال إن القوات الأردنية الموجودة في السعودية هي لتدريبات روتينية معتادة بالتعاون مع السعودية، ولا صلة لها بالمشروع الذي تحدثت عنه الشبكة. والخبر يتحدث عن إعداد قوات لحرب بريّة ضدّ "داعش" قوامها 150 ألف عسكري، تشارك فيها عدّة بلدان عربية وإسلامية، والمشاركة الرئيسة من السعودية حيث تجري التدريبات. وسوف تكون السعودية متفرغة لنقل ثقلها إلى الجبهة السورية مع اقتراب الحسم في اليمن، والدخول المتوقع إلى صنعاء قريبا.
قد يكون هذا أحد السيناريوهات التي يتم تداولها نظريا. لكن من المشكوك فيه، إلى حد كبير، أن يكون قد تمّ اعتماده والشروع في تطبيقه. فقرار بهذا الحجم وعلى هذا المستوى من التحول الاستراتيجي، ليس معقولا أن يكون قد تم حسمه من دون أن يتسرب شيء حوله خلال مرحلة إنضاج القرار داخل الدول الرئيسة المعنية، والمفاوضات والنقاشات بين الأطراف المعنية، وأخذ موافقة العدد الوافر من الدول التي يجب أن ترسل قواتها، وكل ذلك من دون أن يثير لغطا في الأوساط المعنية داخل الدول وبينها.
التدخل البري على نطاق واسع داخل سورية ما يزال من المحظورات، ولا أحد يرغب في تبنيه. وقد تكون السعودية الأكثر رغبة فيه لو استعدت الأطراف الأخرى، وخصوصا الولايات المتحدة التي ما تزال عقيدتها العسكرية في زمن أوباما تعارض التورط العسكري البري.
لعل التطورات على الأرض تزكي تحولا محتملا باتجاه التدخل البري في سورية. فالتدخل الروسي الثقيل يؤتي ثماره، وقوات النظام تتقدم. وهذا التحول في الموازين جعل النظام يتشدد في "جنيف3" ويتطلع باستخفاف إلى المعارضة المحبطة والمفاوضات التي لما تبدأ. ولا يبدو أن في الأفق أي فرصة للحلّ السياسي. وخيار النظام في الواقع هو الحسم العسكري الذي قد يقود إلى القضاء على المعارضة باستثناء "داعش" الذي يحتفظ بمناطق شرق سورية. أي إن النتيجة الخيرة هي بقاء عدوي التحالف، وهم قد يقبلان توفير قدراتهما والتعايش لمرحلة من الزمن في صيغة تقسيم عملي للبلاد بين الطرفين.
القصف الجوي وحده لن يمنع هذه النتيجة التي يخرج بها التحالف، وفي مقدمته الرياض وواشنطن، صفر اليدين، مما يزكي التحول في التفكير لاستثمار فرصة مشروعية الحرب على "داعش" لإدخال قوات بريّة تقضي بالفعل على التنظيم المتطرف، وتفرض الطرف البديل في مواجهة النظام وحلفائه، وتعيد التوازن بين النظام والمعارضة.
رغم أن التطورات تزكي نظريا التحول إلى التدخل البري، إلا أن دون ذلك مصاعب وعقبات هائلة نشك أنه قد تم تجاوزها، على رأسها الموقف داخل الولايات المتحدة نفسها، وداخل كل دولة من الدول المفترض مشاركتها، والخطة الميدانية غير الواقعية التي تفترض نقل 150 ألف عسكري إلى تركيا للدخول من هناك. مع العلم أن التدخل التركي سيكون مرفوضا بشدّة من عدة أطراف، في مقدمتهم الطرف الكردي. وتركيا ذات مطامح إقليمية خطيرة، لا ينظر عربيا وسورياً إلى تدخلها بأي درجة من الاطمئنان.
وقد يكون الخيار التركي بسبب رفض الأردن والعراق التدخل من أراضيهما. لكن الأقرب للواقع أن الأمر لم يبحث جدّيا من أي طرف حتى الآن.
وكالة كل العرب الاخبارية