المزيد
مَن يخدُم مَن..؟!

التاريخ : 17-01-2016 |  الوقت : 12:32:01

نظرياً، يسعى الإنسان في حياته إلى "السعادة" التي أعيا تعريفها الفلاسفة. لكن هذا المفهوم أكثر تعقيداً في خبرتنا من الأمم الأخرى تقريباً؛ فنحن نراوح في منطقة غائمة -في المنتصف من كل شيء ومفهوم. وعلى سبيل المثال، نعرف من واقع تجربتنا أن البعض منا يعمل عملاً إضافياً من أجل دفع أقساط السيارة ومطالبها. وهكذا، وبدلاً من أن تخدمه السيارة وتريحه، يخدمها هو ويشقى من أجلها.
ربما لا تكون هذه سمة مخصوصة لمجتمعاتنا "نصف المخبوزة" -على رأي الكاتب الترينيدادي نايبول. إنها على الأغلب معركة الأفراد في المجتمعات الاستهلاكية التي يُقصف سكانها بالإعلانات وغواية الشركات. لكن الأمور عندنا ربما تزيد عن الحد المعياري في المجتمعات الأكثر تقدماً. هناك يستمتعون بطريقة ما، ويجدون متسعاً لبعض "السعادة" في نهايات الأسبوع أو بعد التقاعد المبكر، ويختبرون غالباً نوعاً من "الحرية" على الطريق. لكننا نمارس عمل "الخدمة" لمختلف الأشياء والأغراض والكيانات، من دون أن يتلقى معظمنا الخدمة المُقابلة حتى نهاية العمر.
نحنُ نربي الأبناء وندفع كلف تعليمهم وتكبيرهم، أملاً بأن يفعلوا ما كان آباؤنا يصنعونه لأجدادنا من الرعاية عند الكبر. لكنهم يتخرجون فقط ليظلوا معتمدين علينا بسبب سوء الظروف. وفي مقابل اجتهادنا لإعدادهم كما ينبغي لخدمة المجتمع والبلد، لا تتهيأ لهم حتى فرصة الاستفادة مما أُعدوا له، مع أن تشغيلهم وفتح أبواب مستقبلهم هي أقل واجب لمكافأة السهر والتعب.
نحن لا نتوانى –طوعاً أو كرهاً- عن دفع فواتيرنا ورسومنا وضرائبنا وما يترتب علينا من عمل وخدمة. لكننا عندما نحتاج ما نستحق من خدمة في تسيير معاملة أو استعمال خدمة، يصاحبنا شعورٌ بأننا نطلب الكثير. وإذا كان لنا استحقاق فإنه يتأجل، بينما الاستحقاق الذي علينا يتعجَّل. والأصل في الأشياء أن انتماء الفرد إلى المجموع المؤسسي والمهيكل يخدمه –على الأقل بمقدار ما يقدم من خدمة. لكنَّ هناك مقولة ربما تلخص نمط العلاقات هنا: "اخدمني وأنا سيدَك"!
الماديّات مهمة، ولا شك. فالرفاه النسبي والاطمئنان المالي وجودة الخدمات وسهولة المعاملات، كلها أشياء "تسعد" المرء. لكنّ هناك شيئاً قد يكون مُرضياً نسبياً في حال تقصير الأوضاع المادية عن بعض ذلك: الشعور بأن كل جهة وكل صاحب قرار يبذلون كل ما عليهم، ويستخدمون ما تحت أيديهم من الموارد لخدمة مواطنيهم. لكن الأمور لا تكون غالباً طباقاً لمقولة "ليس بالإمكان أبدعُ مما كان". وفي بعض الأحيان –أو كثير منها- لا تكون الحلول معطلة بالكلفة، بقدر ما تتعلق بغياب الإرادة أو تشغيل البداهة.
في كل مكان، تبحث الكيانات من أي مستوى عن تحقيق غاية دمج الناس في النظام (system)، بعلاقة جدلية ينعكس فيها نوع عمل الأفراد على كفاءة أداء النظام كله، الذي يعود فيعكس عوائد حسن أدائه على نوعية حياة الأفراد. وفي الأوضاع المثالية، سيصعب تمييز "مَن يخدم مَن" عندما يخدم الجميع الجميع. أما في الأوضاع البعيدة كل البعد عن المثالية، فيشعر الفرد بأنه يخدم كل شيء ولا يخدمه شيء، بدءا من حاجياته الشخصية التي تستعبده، وانتهاء بمجمل النظام.
من السيئ أن يَخدم الفرد أيضاً مفهومات غير عملية على الإطلاق: المظاهر، على سبيل المثال. وبالعودة إلى مسألة العمل الإضافي من أجل "السيارة" (لا على التعيين)، فإن للقضية وجهين سيئين: إما أن المعنيّ يتحمل هذه الكلفة –كضرورة- لأن نظام خدمة النقل العام لا يخدمه –وهو أمر سيئ بما يكفي- أو لأنَّه يخدم فكرة "المظاهر"، ويريد أن يبدو محترماً اجتماعياً بكلفة إرهاق نفسه وتأجيل مسألة "السعادة". لكن بالإمكان تصور أن تكون شروط "سعادة" البعض منخفضة إلى حد اختزالها في مجرد تلبية مطالب "المظهر" الاجتماعي.
ربّما يحب المرء أن يصل إلى نقطة الشعور بأن ما يفعله يَخدمه هو في النهاية، مباشرة أو بتحويلة. لكنَّ خبرة استمرار الركض والهرولة هنا وهناك بحثاً عن لحظة رضى، لا تتعلق حتماً بفكرة الكسل والنشاط والتراخي والمثابرة. فالمثابرة طريقة الناس للاستمتاع بالحياة وتحقيق الأمل قبل النفس الأخير، فيما يراوح معظمنا في منطقة السؤال: "مَن يخدم مَن وماذا" في هكذا حياة؟!

وكالة كل العرب الاخبارية



تعليقات القراء
لايوجد تعليقات على هذا الخبر
أضف تعليق
اضافة تعليق جديد

الحقول التي أمامها علامة * هي حقول لابد من ملأها بالبيانات المطلوبة.

:
:
:
 
أخر الأخبار
اقرأ أيضا
استفتاءات
كيف تتوقع نهاية الاحداث الجارية في قطاع غزة؟



تابعونا على الفيس بوك