في مقابل سياسة "الصدمة والرعب" (Shock and Awe) التي انتهجتها الولايات المتحدة بسادية مفرطة، أثناء غزوها العراق العام 2013، اشتقّت إيران لنفسها مذهبا حربيا موازيا، يمكن تسميته نظرية "المبالغة والتهويل"، لإخافة جيرانها وبسط هيمنتها على المنطقة، ناهيك عن ردع إسرائيل من مغبة التعرض لمنشآتها النووية؛ إذ هددت الغدة السرطانية بالمحو عن خريطة الشرق الأوسط.
والحق أن هذه السياسة، التي سبق أن أطلقنا عليها اسم سياسة "الفم الكبير" (Big mouth Policy)، نجحت إلى حد بعيد في إثارة شتى الهواجس والمخاوف لدى كل من خاطبتهم هذه السياسة، التي لم يتم وضعها على محك الاختبار إلا منذ نحو شهرين، حين انطلقت "عاصفة الحزم" بقيادة سعودية.
ومع أن "عاصفة الحزم" هذه كانت في جوهرها موجهة للتمدد الإيراني، بعد تلك التبجحات العنترية بالسيطرة على عاصمة عربية رابعة، إثر الانقلاب الحوثي، إلا أن هامش المناورة الضيق أتاح للجمهورية الإسلامية استخدام كل ما في مدافعها الكلامية من ذخيرة تهويلية، للرد على التحدي السعودي المباشر لها، بعاصفة موازية من التصريحات النارية.
لم يقع الاختبار الجاد للتهويل الإيراني المعهود، بالويل والثبور وعظائم الأمور، إلا عندما قررت طهران إرسال سفينة مساعدات متجهة من بندر عباس إلى ميناء الحديدة اليمني، مرفقة بتحذيرات شديدة لقوات التحالف العربي من التعرض للسفينة، وذلك عندما أكد الناطق باسم التحالف أن الحمولة سوف تتعرض للتفتيش، وأن عليها الرسو في ميناء جيبوتي المجاور، حيث المركز الدولي لتنسيق المعونات الإنسانية.
ومن أجل تأكيد إصرارها على التوجه مباشرة إلى الميناء اليمني المسيطر عليه من الحوثيين، وتعزيز رفضها القاطع لعملية التفتيش، أعلن قائد الأساطيل البحرية الإيرانية، أن سفينة الإمدادات "الإنسانية" سوف تبحر بمواكبات من القطع الحربية التابعة للأسطول الرابع والثلاثين (!) المرابط في خليج عدن، والمكوّن من مدمرة واحدة وسفينة إمداد فقط.
وعلى نحو ما لا يليق حتى بغطرسة دولة عظمى، قال نائب رئيس الأركان الإيراني إن السفينة لن تتوجه إلى جيبوتي، وإن السعودية ليس لديها تفويض دولي يجيز لها إيقاف السفينة أو تفتيشها، وإن طهران التي ستتصدى لأي محاولة من هذا القبيل، سوف تقطع اليد التي ستمتد لسفينة المساعدات. وفوق ذلك حذر من أن الأمر سيشعل ناراً كبيرة، لا تستطيع أميركا والسعودية احتواءها أو السيطرة عليها.
غير أنه عندما وصلت السفينة إلى نقطة خارج نطاق المياه الإقليمية اليمنية، تراجعت إيران فجأة عن تعهداتها المعلنة بإحراق بر الخليج، وبلعت كل تهديداتها السابقة دفعة واحدة، إن لم نقل إنها نزلت عن الشجرة العالية بلا سلم؛ وإنها أراقت ماء وجهها بيدها، وذلك عندما غيرت دفة السفينة إلى جيبوتي، وقبلت بإفراغ الباخرة وتفتيشها وتسليم الحمولة لمركز الأمم المتحدة.
سبق لإيران أن واجهت اختباراً مماثلاً، وإن كان على نطاق أضيق، عندما أعلنت أنها سترسل سفينة مساعدات للشعب البحريني في ذروة الاضطرابات الداخلية في المملكة الخليجية. وما إن أبحرت تلك السفينة، حتى أعلن قبطان كويتي يتولى قيادة البحرية لقوات "درع الجزيرة"، أنه سيغرق أي مركب حربي يدخل المياه الإقليمية لدول مجلس التعاون، حتى طوت طهران، بصمت وسرعة، صفحة مواجهة محتملة، وذلك على نحو لا يتماشى مع تقاليد العنجهية الإيرانية.
اليوم، حين تبلع إيران لسانها الطويل تحت تهديد التحالف العربي، وتنصاع برأس مطأطئ لبنود البرتوكول المقرر من جانب الأمم المتحدة، فإنه يمكن الاستنتاج بثقة، أن فلسفة أخذ الخصوم والأعداء بالصوت العالي قد انتهت إلى غير رجعة، وأن سياسة "الفم الكبير" قد سقطت من علياء سمائها المكفهرة، وأن مظاهر التعنت والرفض، ومن ثم التهويل والجعجعة لدى الولي الفقيه، تؤول إلى الرضوخ والارتداع في النهاية، على ما نحو ما حكته لنا حكاية الباخرة الإيرانية.
غدا، وفي غضون شهر واحد، من المرجح أن نشهد الرفض الإيراني لشرط إقامة نظام رقابة صارم على المنشآت السرية والمواقع العسكرية الحساسة، يسبق التوقيع على الاتفاق النووي، ورفع العقوبات تدريجيا، وقد تحول إلى قبول تام، وتحتفل به كنصر مؤزر، بما ظلت تسميه إيران ذاتها إملاءات مذلة، لنرى بأم العين، مرة أخرى، سقوطا كليا لسياسة "الفم الكبير".
وكالة كل العرب الاخبارية