عمان - وصف القيادي الفلسطيني ياسر عبد ربه الوضع الفلسطيني بالمعقد والمركب وتداخلت فيه المصالح الداخلية والاقليمية والتدخلات الدولية،واعتبر ان الانقسام الفلسطيني تمأسس وأصبح هناك واقعان مختلفان،مبينا انه لن يزول بالدعوات الصالحات.
وقال في حوار مع اسرة الدستور في منتداها للفكر والحوار اداره الزميل محمد حسن التل رئيس التحرير المسؤول ان الحركة الفلسطينية الجديدة ليست مدفوعة بالياس ويجب اعطاؤها فرصة و مطالبتها بنتائج سريعة ، موضحا ان تحويلها الى مجموعات مسلحة فخ اسرائيلي للقضاء عليها.
واضاف ان حماس وفتح شكلا ثنائية حزبية ولكل منهما مقاربة مختلفة عن الاخر،مركزا في حديثه على المؤسسية وان غيابها يجعل السلطة في يد واحدة .
وتناول في حديثه موضوع الرئاسة ،مؤكدا انه لا بديل الان للرئيس محمود عباس والمطلوب حكومة وحدة وطنية تتلوها انتخابات ليس من اجل انتخاب رئيس وانما لانتخاب مؤسسة حتى لا يحدث فراغ في حالة غياب شخص .
وتحدث عن اوسلو الذي وصل الى طريق مسدود وكان من المفترض التوقف واعادة النظر في كل شيء، وغيرها من الموضوعات الخاصة بالهم الفلسطيني وتاليا نص الحوار:
] الدستور :الآن الشعب الفلسطيني قضيته تمر بمنعطف خطير جداً، وأبى الشعب الفلسطيني إلا أن يعيد قضيته على سلم أولويات العالم العربي والعالم بشكل عام، هذا المنعطف الخطير الذي يمر به الشعب الفلسطيني ويدفع ثمنه دماء وأشلاء وتهديم بيوت، أما آن للقيادة الفلسطينية، سواء في غزة أو في رام الله، هذا الانقسام، والانقسام البيني أيضاً في رام الله، فهناك عدة انقسامات في القيادة الفلسطينية، أما آن لهذه القيادات أن ترتقي إلى مستوى المسؤولية التي أوصلها إياها الشعب الفلسطيني المجاهد منذ مائة عام، أم أننا سنظل ندور في فلك الخلافات الشخصية والصراع على السلطة والألفاظ التي باتت حقيقة تعرقل مسيرة الشعب الفلسطيني البطل، المنطلق، الذي يقدم دماءه دون أي تردد في سبيل قضيته، في مواجهة الغول الإسرائيلي، والغول العالمي، فهناك نفاق عالمي كبير سواء على مستوى العالم أو على مستوى العالم العربي والإسلامي، فهناك غض بصر عما يحدث في فلسطين.
] عبدربه: بداية أشكركم على هذه الدعوة الكريمة، وبالنسبة للانقسامات ، فمشكلة الانقسامات الفلسطينية ناتجة عن عوامل عديدة، لم يعد يفيد فيها رغبة ذاتية أو تمنيات أو الأقوال التي هي دائماً متداولة ومطروقة بمعنى الوحدة خير من الانقسام، والتضامن والتلاحم أفضل من الفرقة.. وهكذا، فهذه وصفات تبقى قائمة وموجودة لكن لا تعالج الوضع الذي أصبح معقداً ومركباً وتداخلت فيه مصالح داخلية ومصالح إقليمية وفي بعض الأحيان حتى تدخلات دولية.
مشكلة الانقسام، أريد العودة لنقطة لها علاقة بتاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، للأسف أنه ضاقت مساحة الحوار الفكري، المساحة المتاحة للفكر السياسي الفلسطيني بأن نتصدى لمشكلات عويصة وقضايا معقدة أصبحت مطروحة. أنا ابن تجربة وابن مرحلة، هذا العام يمر علي 45 سنة كعضو في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، فحين أصبحت عضواً في اللجنة التنفيذية في القيادة الأولى للشعب الفلسطيني كان عمري 24 سنة، فالجميع كانوا صغارا في السن وقتها، فأبو عمار كان تحت سن الأربعين سنة، فعندما أرى الأجيال الجديدة التي تخرج للشارع هذه الأيام، وأسمع بعض النصائح أو بعض الأحكام الخشبية بأن هؤلاء قليلو خبرة ويلزمهم توجيه وتنظيم ..الخ، أقول بأنهم أكثر خبرة منا عندما كنا في أعمارهم عندما تولينا قيادة حركة وطنية فلسطينية في أصعب الظروف، عندما أًصبح الوطن كله محتل من بحره إلى نهره، وعندما كان الوضع العربي ليس مواتياً كثيراً، بل كان هناك بعض المشاكل، فكنا نحن بذات الأعمار، هم الآن يتميزون عنا في أن ثورة المعلومات هم روادها، ونحن ثورة المعلومات في أيامنا كانت عبارة عن جريدة تأتي تهريباً من الخارج بعد أن تخضع للرقابة مئات المرات، وعن طريق الراديو أيضاً، وليس كما هي الحال التي نشهدها الآن، لذلك أنا من أصحاب الرأي بأن يعطوا فرصة لهذه الحركة الجديدة الفلسطينية، ولا يثقلوا عليها، ولا يطالبوها بنتائج سريعة، وأن يعطوها المجال لتأخذ دورها، فإذا أثقل عليها وطولبت بنتائج سريعة فهذا سيؤدي إلى واحد من اثنين، إما أن تهزم سريعاً أو أن تتحول من حركة شعبية تتراكم وتنمو وتتسع إلى حركة مسلحة لمجموعات هنا أو هناك، وهذا هو ما سيقضي عليها أيضاً في أسرع وقت، لأن هذا هو الفخ الإسرائيلي الذي تريد أن تجذب إليه هذه الحركة وتستدرجها الآن.
ولاحظوا، أعمال القتل التي تحصل بما فيها الإعدامات المخططة، هي لاستدراج هذه الحركة واستدراج هذه المجموعات الشبابية نحو اليأس المبكر، وأنا لست موافق أبداً مع كل من يقول بأن هذه حركة دافعها اليأس، فهذا ليس صحيحاً، لكن يمكن أن تدفع إلى اليأس، والإسرائيليون يسعون لذلك من خلال إعدام شاب يسير في الشارع وبعد إعدامه يضعون سكينا بجانبه .
وبالنسبة للمساحة في الحوار السياسي التي كنا نشهدها على امتداد العقود الماضية، والتي كان الفكر السياسي الفلسطيني فيها ينطلق، فقد كانت تتيح لكل صاحب وجهة نظر ورأي ورؤيا بأن ينطلق ويتحدث بما يريد، وأذكر أننا كيساريين قدماء كنا نحب التصنيفات الجازمة، هذا يميني وهذا يساري وهذا محكوم عليه ..الخ، وياسر عرفات كان حريصاً على أن يأتي بكل الألوان السياسية بدون استثناء ويحرص على وجودها، لأنه كان يعلم بأن هذه حركة لشعب مشتت لا يمكن أن تجمعه مثل أي نظام ممكن أن يجمع مؤسسات في بلد معين ويفرض عليها طريقا ونهجا معينا في المعالجة والتفكير ..الخ، وهذه فيها تلاوين عديدة واتجاهات عديدة، فالأفضل أن تبقى في الداخل، وأن تتحاور وتتصارع وتختلف في الداخل بدلا من أن تختلف في الخارج بما سيقود إلى تفتت الحركة. ولقد مر على الحركة الفلسطينية تغيرات وتبدلات كثيرة، قد لا أكون أنا شخصياً راضيا عنها، لكنها حصلت ووقعت، وبالتالي كل فترة لا بد أن نتكيف مع هذه التغيرات والتبدلات التي تحصل، وأن نحرص دائماً على أن مساحة الحوار والصراع الفكري تكون قائمة وموجودة وأن لا يقضى عليها.
طوال السنوات الماضية كان في كل منعطف نمر فيه يحصل شيء، فبعد احتلال الـ67، وبعد حرب أكتوبر عام 1973، وبعد حرب بيروت عام 1982، وبعد أيضاً الانقسامات التي حصلت وتدخلات النظام السوري وقتها الذي كان يريد أن يقسم فتح ويقسم المنظمة وتغلبنا عليها واستعدنا الوحدة بشكل أو بآخر، وبعدها على أبواب مؤتمر مدريد، ففي كل منعطف من هذه المنعطفات كان يحصل شيء عندنا وأصبح بمثابة التقليد ، وكان يتم دعوة أوسع إطار من القيادات الفلسطينية، صغيرها وكبيرها، وبكل ألوان الفصائلو بدون استثناء أحد، وكل الاتجاهات والتيارات، وأحياناً أقول بأن ياسر عرفات عندما التيار الإٍسلامي كان يجلس على الطرف ولا يريد الدخول في قلب الحركة الوطنية الفلسطينية، ويصبح عنصرا فعالا فيها، بل يريد أن يبقى خارجها لأسباب خاصة فيه، ولأسباب إدخال الايديولوجيا في السياسة بطريقة مفتعلة وبطريقة فيها اقحام للايديولوجيا على السياسة، كان يحرص على أن يأتي بهم ويدخلهم في الحوار السياسي الوطني بغض النظر عن حجمهم في ذلك الوقت، هذا كان من بين تقاليدنا.
أريد أن أذكر محطة أو محطتين، في عام 1973 بعد حرب أكتوبر، أصبحنا بوضع جديد، حيث كان هناك حديث عن تسوية سياسية ومؤتمر جنيف ..الخ، وجلسنا وتحاورنا بمختلف اتجاهاتنا لمدة لا تقل عن ستة أشهر وبطول بال حتى وصلنا لأول مشروع أسميناه وقتها مشروع النقاط العشر، التي أعلمنا فيه بصراحة بأننا نريد أن نقيم سلطة وطنية فلسطينية على الأرض الفلسطينية التي يزول عنها الاحتلال، وبقينا ستة أشهر حتى توافقنا على خطة، وفي عام «ربما» 1988 عندما قمنا بعمل ما يسمى بمبادرة السلام الفلسطينية، وأعلنا لأول مرة دولة فلسطين على أرض فلسطين، وأخذنا اعترافات دولية وعالمية هائلة، تجاوزت الاعتراف بإسرائيل، جلسنا أيضاً تقريباً ستة أشهر بحوارات دائمة حتى وصلنا إلى هذه الخلاصة التي وحدت الموقف الوطني الفلسطيني. هناك قبلها أمثلة وبعدها أمثلة، فمؤتمر مدريد به أمثلة أيضاً، لكن لا أريد الدخول بالأمثلة التاريخية جميعها، وانما أريد أن أستنتج بأنه كان هناك نهج بأن الفكر السياسي الفلسطيني، الذي هو متأثر بالحالة العربية السياسية والفكرية وبالحالة الدولية العالمية، يأخذ مداه وينطلق ويكون الصراع أمامه بدل أن يدور بشكل غير طبيعي في الخارج بتراشق للتهم والاتهامات، فلندع الصراع الفكري يدور،ولكن للأسف، بالرغم من كل التطورات التي حصلت في الوضع وتطور مستوى الوعي العام وثورة المعلومات التي غزت الجميع، ولكن ربما نحن أكثر الشعوب التي تستخدم الانترنت في العالم، وأجيال شابة مختلفة.. رغم ذلك مساحة هذا الحوار السياسي ضاقت كثيراً، ودخلت تقاليد ضارة جداً على العمل السياسي الفلسطيني بعد غياب أبو عمار بفترة، وأيضاً لها بذورها حتى بوجوده، لأنه أصبح هناك عاملان، الاول قامت السلطة، وكل سلطة، لا بد أن تستخدم وسائل من الإقناع القسري لتكيف كل شيء في المجتمع لصالحها بما فيه الفكر والسياسة، والعامل الثاني بروز دور حركة حماس التي أيضاً أدخلت للتقاليد «إذا كنت لست معي فانت ضدي»، فممكن أن توضع في خانة الكفر وخانة العداء ..الخ، فهذان العاملان ضيقا من مساحة الحوار والنقاش، وأصبحنا في وضع ربما «ثنائية حزبية»، فأصبح لدينا طرفان، فتح وحماس، وكل منهم له مقاربة مختلفة عن الآخر في معالجة الأوضاع والظروف، وله تقاليد في العمل مختلفة عن الآخر.
وبالنسبة للوضع الحالي، وبعد هذه السنوات من حالة الركود النضالي والانقسامات والحروب التي تشنها إسرائيل علينا، وكل عامين تدمر غزة من جديد ..الخ، نحن أمام بادرة جديدة وهي هذا الحراك الشعبي، الذي يقول البعض عنه انتفاضة والبعض الآخر يقول أنها حركة شعبية نامية ممكن أن تتحول إلى انتفاضة، لكن رغم كل هذا القول فهناك حراك شعبي يتصدى له ولقيادته جيل جديد ..جيل لم يأخذ إذنا من أحد إطلاقاً. وأمام هذه الظاهرة التي ممكن أن تفتح الافاق مرة أخرى للنضال الوطني الفلسطيني، كان الكل يعتقد إلى عهد قريب أن هذه الآفاق مسدودة، هذه الحالة تشبه منعطفات سابقة مررنا فيها وكنا نتداعى بناءً عليها أن يأتوا لنفتح حوارا بيننا، والآن أصبح مطلبا وطنيا فلسطينيا نضاليا أن يجلس الناس ويتحاوروا، فكنا نقوم بذلك بيسر وسهولة، هل الآن المطلب أن نتحاور لنعالج الوضع؟! تعالوا لنتحاور ولنفتح أوسع حوار ممكن وأوسع مراجعة سياسية ممكنة فيما بيننا. تخرج أفكار وتسأل كيف نتحاور؟ نتحاور في حوار ما يسمى بالإطار القيادي المؤقت الذي اخترعناه، واخترعناه لسبب بسيط، هناك عالم نعلم بأن لديه ليس فقط مقياسين بل مائة مقياس بالتعامل معنا خصوصاً، حيث يقولون بأنه يمنع على حماس الدخول لمنظمة التحرير لأن برنامج حماس تدمير إسرائيل ..الخ، أما برنامج إسرائيل تدمير شعب بأكمله والقضاء عليه فهذا ليس لديهم مشكلة فيه!
منظمة التحرير حصلت على اعتراف عربي ودولي وعالمي بأنها الممثل الوحيد، فيخرج لدينا تقديرات بأننا لا نريد أن نهدد مكانة منظمة التحرير، هذه الادعاءات بالأصل كاذبة، لكن ماذا نفعل، فهذا هو الوضع الموجود، فاخترعنا ما يسمى بالإطار القيادي المؤقت لتفعيل وتطوير منظمة التحرير لنأتي بكل القوى والفصائل مع تفاهم فيما بيننا أن هذا الإطار أولاً يشمل الجميع، حماس والجهاد بالإضافة إلى فتح وبقية فصائل منظمة التحرير، وشخصيات وطنية واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وهذا الإطار نعطيه اسما يخفض التوقعات قليلاً، لكن نعطيه أيضاً دورا أكبر من اسمه، بمعنى أن يكون مرجعية سياسية وطنية شاملة للجميع، وأول مرة في التقليد العربي والفلسطيني يقومون بتكبير الاسم وتصغير دوره، فنجد وحدات عربية مثلاً اسمها كبير ، والدور يكون أقل من الاسم، لكننا قلبنا الموضوع لأول مرة، حيث كبرنا الدور وقمنا بتصغير الاسم، وربما هذا أفضل، لأنه على الطريقة الإسرائيلية، فلديهم ما يسمى بجيش الدفاع الإسرائيلي، حيث قاموا بتصغير الاسم، حيث يسمى دفاع لكنه لم يدافع عن شيء بل كل أعماله هجوم وإيذاء، هذا الإطار الذي لا يوجد مدخل الآن لنعالج قضايانا إلا باستدعائه وجلبه.
بالطبع تتدخل هنا مصالح وحسابات، فمن عندنا توضع شروط، وأقصد بكلمة من عندنا هو من إطار منظمة التحرير والتيارات الموجودة فيها، ومن عند حماس توضع شروط، والشخص يفكر بأن كل ما يحصل ويتم الإشادة فيه، وشباب الحجارة وشباب السكاكين وغير ذلك من حديث، فما دام هناك إشادة بهذه الحالة، وأن هذه الحالة ممكن أن تكون واعدة وتفتح آفاقا لنا ولمستقبلنا، ليس بالضرورة على المدى القريب، بل ممكن أن يكون على المدى البعيد. اليوم مجرد انعقاد إطار قيادي فلسطيني ليضم كل التيارات والاتجاهات باسم التيار القيادي المؤقت لمنظمة التحرير أصبح مطلباً وطنياً، ناهيك عن أن انعقاده ضرورة لمعالجة أمور عديدة أخرى، فالوضع في غزة كارثة، فوق التصور، فلا يوجد كهرباء والمياه ملوثة، والبطالة حدث ولا حرج أكثر من 60%، وضيق الحياة والسجن الصغير الذي يسمى غزة، فاللائحة طويلة، فيجب معالجة الوضع في غزة، وعندما نرى الشباب في غزة يندفعون للمناطق الحدودية وبطريقة اندفاعية شديدة، وربما تقع بينهم إصابات أكثر مما يحصل في القدس ذاتها، فهذا ليس فقط تضامنا مع القدس والأقصى وغيرها، بل أيضاً تضامن مع أنفسهم، مع الوضع المغلق الذي يعيشون به، مع المأساة القائمة لديهم. أيضاً لدينا موضوع منظمة التحرير وموضوع السلطة الفلسطينية، كيف يمكن أن تتطور أوضاعها حتى تحقق أمرين، الأول أن تستوعب كل التيارات والألوان داخل الشعب الفلسطيني، والأمر الثاني أن تستوعب دور وصوت الأجيال الجديدة من الشعب الفلسطيني، لأنه من غير المعقول أن نرى هذه الفجوة بين الأجيال في المؤسسات الوطنية الفلسطينية، الفجوة أن نقول بأننا نريد عمل مجلس وطني فلسطيني، متوسط العمر به أكثر من 70 عاما، فأنا ممكن أن أقود جناح الشبيبة في المجلس الوطني الفلسطيني، كل الأجيال الجديدة تتحدث عن جيلين إلى ثلاثة أجيال، هذا الجيل في الشوارع هو جيل ولد بعد أوسلو وبعد قيام السلطة، ووعي للدنيا بعد أوسلو، فهؤلاء معظمهم تحت سن العشرين سنة، لذلك هذه الأجيال لم تستوعب، وبما أنه تعطلت الحياة البرلمانية والحياة الديمقراطية لأسباب عديدة، أيضاً أغلق الباب أمام هذه التيارات والأجيال والقوى.
] الدستور: لكن من يتحمل المسؤولية في ذلك؟
] عبدربه: جميعنا نتحمل المسؤولية، من يصمم على هذه السياسة يتحمل المسؤولية، ومن سكت عن هذه السياسة يتحمل المسؤولية، وأنا من الذين سكتوا عن هذه السياسة، فمن سكت عن هذه السياسة لفترة طويلة أيضاً يتحمل المسؤولية. الآن يوضع أمام الحالة الجديدة مشاريع وخطط وما سنفعله في المحكمة الدولية والأمم المتحدة ..الخ، كل هذا جيد وصحيح، ولن أخوض في الشرح لكم عن أهميته. أقول هو على الصعيد الدولي ممكن أن يشتغل به 3-5 ومعهم حوالي 10 خبراء ومستشارين، لكن ملايين الفلسطينيين ماذا يفعلون، غير أن يصفقوا لهؤلاء الذين يقومون بنشاطات وإنجازات على المستوى الدولي، فهل هذا هو الحل، وهل هذا هو تقسيم العمل، بأن نترك هذه القضايا السياسية والوطنية لهم ولتحركاتهم السياسية والدبلوماسية والدولية.
] الدستور :لكن الآن الانقسام حالة واقعة، جرح كبير مطعون به الشعب الفلسطيني في ظهره، من يتحمل مسؤولية استمرار هذا الانقسام، حماس أم السلطة؟
] ياسر عبدربه:كل التيارات في السلطة، وسلطة حماس في غزة، والنسبة في ذلك ليست مهمة. إذا أردنا لهذه الانتفاضة أن تتطور وأن تنمو فمن الجيد القيام بكل الفعاليات والأدوار على المستوى الدولي والإقليمي..الخ، لكن الأجود من ذلك، وما يجعل هذه الإنجازات الدولية إنجازات فعلية ولها ديمومة ولها قدرة على الاستمرار هو التصدي للوضع الداخلي الفلسطيني، إذا لم يكن هناك بناء داخلي فلسطيني حقيقي فلن يحدث، أولها أن يكون هناك توجه نحو حوار وطني ومشروع وحدة وطنية حقيقية لخطوة ممكن أن تشكل مدخلا للأمام، بجمع الإطار القيادي المؤقت وتشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية، تشترك فيها كل التيارات الوطنية. نحن لسنا برفاهية لأن يقول أحد بأننا نريد حكومة تكنوقراط، فلو كان برنامجي هو التنمية والتطوير فقط فأنا لست ضد التكنوقراط، إنما يجب أن تجتهد كل التيارات الوطنية، مهما كان نوع الاحتجاج والاعتراض الدولي أو الإقليمي فأقول لن يصل إلى حد القطيعة مع السلطة أو مقاطعة السلطة، وهذا ما نقوله علناً بأننا نريد حكومة وحدة وطنية تأتي بكل القوى وكل الفصائل حتى تتصدى لهذه المرحلة، لأنه وبصراحة كاملة المشكلة في الشارع بأن هناك ضعفا بالثقة في كل المؤسسات القائمة، وهذه حالة لا تقتصر على الضفة الغربية وعلى القدس وعلى غزة أيضاً، بل بشكل شامل، هناك ضعف ثقة بالمؤسسات الوطنية القائمة، إلى حد أنه أحياناً نجد فجوة واسعة وكبيرة،لا تردم لا بالنصائح ولا بالخطابات ولا بالكلام، بل بإجراءات فعلية، أولها بأن نأتي بكل هذه التيارات والقوى ويتم تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم الجميع لأن هذا المدخل حتى نستطيع أن نعالج قضية الانقسام الحاد والأخطر في تاريخنا وهو الانقسام بين غزة والضفة. يتلو ذلك المؤسسات لا بد أن تنهض، مثل منظمة التحرير والمجلس الوطني، نحن كلنا متفقون ويجب أن نبقى مصرين بأن يصبح في إطار هذا الحوار الوطني تشكيل مجلس وطني جديد يستوعب الجيل الجديد، فهذا لا بد منه، ويتم استيعاب هذه الأجيال الجديدة بالطاقة التي لديها باتساع الرؤيا لديها. والنقطة الأخيرة التي أود الإشارة لها هي التوافق على قيادة وطنية موحدة للحراك الشعبي الموجود، وليس المقصود بها أن تركب الفصائل على ظهر الحراك الشعبي، إنما لا أحد يجب أن يستبعد دور الفصائل، لكن لا تستبعدوا أيضاً دور الحركة الشبابية التي نشأت والتي حملت على عاتقها إطلاق هذا الحراك، فقيادة وطنية موحدة لقيادة هذا الحراك، مزيج من القيادات الشابة الجديدة، ومن القوى الحية في الشارع من فصائل وغيرها، حتى يمكن أن تستمر وتدوم وننظم طاقاتنا في الداخل ونصل لما نريد.
] الدستور:أنت تتحدث عن فترتين، الأولى فترة أبو عمار، وبعد ذلك توقفت، وقدمت المبني للمجهول بأنه يجب العمل كما ذكرت، وكأن أبو مازن ليس له وأنت الرجل الثاني في المنظمة، أين أدواركم أنتم، القيادات الكبرى في المنظمة.
] عبدربه: نحن بحاجة للنهوض بكل المؤسسات بما فيها الفصائل نفسها، وأنا لست من فتح، لكن أنا من الذين يتمنون أن يعقد مؤتمر فتح، ولا يبقى الوضع قائما على ما هو عليه، ونتيجة الانقسام حصل لدينا التالي: كنا نريد حل الدولتين فقمنا بعمل دولتين واحدة في غزة والثانية في الضفة، لكن كان المطلوب هو حل الدولتين مع إسرائيل وليس بيننا.
أيضاً هناك تراجع لدور المؤسسات، والقضية ليست قضية أدوار أفراد، هناك غياب لدور المؤسسات، والربيع العربي واحد من عناصره أنه في النهاية تقلصت المؤسسات إلى مؤسسة واحدة وتقلصت المؤسسة الواحدة إلى فرد واحد، فهذا ما دمر الربيع العربي.
بدأ الغياب الفادح للمؤسسية مع الانقسام بين الضفة وغزة، فكان لدينا مجلس تشريعي وبرلمان وكان مشاكساً، وأعطيه نسبة فعالية ليس أقل من 50%، وبعد الانقسام شُلّ البرلمان وأصبح هناك سلطة تنفيذية تتصرف بمطلق حريتها، هي التشريع وهي التنفيذ، وهذا يقضي على كل شيء، لأن من يحمي القضاء وجود سلطة تشريعية، فهذا كان مقتل التجربة عندنا، وتفاقم الحال أكثر وأكثر بعدها، حتى وصل الأمر إلى الحد الذي أقوله، بأنني أخرج وأطالب مثلي مثل أي شخص، وأنا لا أنكر مثل هذه الحالة، لأننا لا نخاطب مؤسسة واحدة بل نخاطب مؤسستين بين غزة والضفة، وداخل كل مؤسسة هناك مجلس شورى،وهو القيادة الخلفية السرية التي تصيغ كل شيء، ومن الممكن أن يكون هناك قيادة عالمية تقرر، ولدينا لا يوجد أي مؤسسة أخرى غير المؤسسة الرئاسية والتي تقوم بدورها، هذا الأمر الذي يشكل خللا حقيقيا. فالقضية الآن بالوضع الذي وصلنا اليه غياب شخص واحد سيدخلنا في مأزق لا مثيل له.
أيام أبو عمار كان هناك مجلس تشريعي وبرلمان، ولدينا نظام أساسي أو قانون يقول بأن رئيس البرلمان يبقى 60 يوماً حتى تحصل انتخابات، وقمنا بإجراء الانتخابات وتم انتخاب أبو مازن، واليوم لا يوجد برلمان، ومن الممكن أن تقول حماس بأنه يوجد برلمان وهو البرلمان القديم، ورئيس البرلمان عزيز دويك هو الذي يمكن أن يستلم، لكن من سيقبل به في الجناح الآخر! فسندخل في مأزق أكبر بين شرعيتين وصراع بينهما أفدح، فلهذا السبب الموضوع ليس شخصيا إنما الموضوع أن الحالة التي وصلنا اليها تستدعي حلولا فعلية وجذرية. واضافة الى ذلك هناك سبب آخر، وهو انه اذا لم توافق اسرائيل فلا نستطيع إجراء انتخابات.
] الدستور : كلما جلسنا مع سياسي فلسطيني نزداد قناعة بالوحدة الأردنية الفلسطينية، فحتى السياسيون الأردنيون والفلسطينيون يمارسون نفس الوعي المتأخر بأثر رجعي، المراحل العربية تعرف بالشخوص، ونعتقد أن تشريح الشخص لتشخيص المرحلة، ياسر عبدربه ليس رقماً عابراً في القضية الفلسطينية، فكما قلت 45 سنة وأنت عضو في اللجنة التنفيذية، وكنت شريكاً أساسياً في الترويكا التي أنتجت محمود عباس، فأنت كنت شريكا ولاعبا رئيسا بالإضافة إلى دحلان.
أنت آخر جيل من خلايا القوميين العرب في الجامعة الأمريكية، حيث دخلت في الجامعة الأمريكية ثم قدت ثلاثة انشقاقات ثم انشق عليك عباس، هذه المراجعة التاريخية ألا تستحق أن نضعها بين الأجيال، ألا يحتاج شخصية بوزن ياسر عبدربه أن يراجع هذه الملفات ويقول بأنه أخطأ هنا، والمقصود الخطأ المؤسسي. الآن تتحدثون عن الشباب، لكن بعد 45 سنة وبعد أن تم تهميشهم في الماضي، الآن تريدون الحديث عنهم، لكن هؤلاء الشباب الآن أخذوا هم ما يريدونه بأيديهم، كيف يمكن لهذه الفجوة أن تردم في ظل وجودك ووجود هذه الفئة العمرية، والتي نسبتها 2% وتسيطر على 98% من الشعب الفلسطيني.
الحديث الأخير أننا الآن أمام مأزق تشريعي، فإذا توفي عباس فلن يكون لدينا رئيس تشريعي ولا نستطيع أن نأتي ببديل له، والخصام على الأرض يتكرس، كيف سننطلق من منطلق جديد؟
وأيضاً الصراع مع العدو الإسرائيلي، كيف سيكون شكله وأنت أحد البوابات التي فتحت من حوارك الأول مع السفير الأمريكي في تونس، بدأت الطريق، وأنت قدت جنيف، الآن شكل الصراع مع العدو الإسرائيلي في ضوء هذا المتغير الجديد كيف سيكون، نتحدث عن الصراع الداخلي والصراع الخارجي، فكيف سندير الصراع مع العدو الإسرائيلي في ظل هذه الأوضاع الجديدة؟
] عبدربه: أنا الآن أعمل على كتابة التجربة من أولها لآخرها، ولا أريد الدخول في الانقسامات، لأن الانقسامات التي يتم الحديث عنها هي واحدة من الظواهر التي كانت الحركة الفلسطينية تتطور وتتطور مرات بوسائل من نوع التطور الداخلي البطيء، وأحياناً حتى بالانقسامات، نحن بعد عام 1967 كنا شبابا، وحصلت على إجازة من الجامعة على أساس أننا سنذهب لتحرير البلاد وأعود وأكمل دراستي، لكنها استمرت خمسين سنة. ما حصل بعد 1967 مثلما يحصل الآن لكن بطريقة أخرى، كنا جيلا اعتبر أن كل هذه الأجيال التي سبقت وصلت إلى حد التخلي عن القضية الوطنية، وكنا نريد شطبها ونخرج من جديد، فأصبح هناك قيادات باعمار في بداية العشرينيات ، وأنا كنت نائب الأمين العام للجبهة الديمقراطية بعد عام 1969 وكان عمري 22 سنة، ولم يكن الآخرون أكبر مني بكثير، كنا ضد نهج الحركات القومية، من بعث وقوميين عرب وغيرهم، وأن هذه كانت جزءا من الميراث القديم، وقمنا بعمل الجبهة الديمقراطية. وفي إطار الجبهة الديمقراطية وصلنا إلى مفصل بعد الانتفاضة الأولى، كان رأينا أنه آن الأوان أن لا تبقى قيادة الحركة الفلسطينية جميعها في الخارج، فيجب أن يكون هناك توازن بأن تكون هناك قيادة أيضاً من الداخل، ممن قامت بالانتفاضة، وكان من رموزها أسماء ظهرت بعد ذلك مثل فيصل الحسيني وحنان عشراوي وغيرهما، فيجب أن يكونوا جزءا من تركيبة القيادة الوطنية، واختلفنا على ذلك، وحصل انشقاق ثاني . وحركة (فدا) لم يحدث بها انشقاق، فأنا عملت مثل سوار الذهب، بعد أن اكتفيت وتعبت وبشكل سلمي تخليت عن موقعي، وهذا ما حصل، الآن لم أعد منتميا لأي حزب أو تيار.
ليس صحيحا أنه كان هناك ثلاثي، أنا ودحلان، لأن المسألة أعقد وأوسع بكثير من ذلك، ودحلان لم يكن لاعباً رئيسياً في موضوع أبو مازن، بل كان أحد اللاعبين هو وغيره كثيرون، في قيادة فتح وخارج قيادة فتح، لكن هذا يكتب عنه للتاريخ. المشكلة اليوم التي نحن فيها، يمكن ان ما تحدثت به هو جزء من المراجعة، فالحركة الفلسطينية اعتمدت تاريخيا للأسف على دور أشخاص، قادة، لا ألغي دور الفرد والقائد في التاريخ، لكن الاستمرارية لأفكار هذا القائد ولدوره ..الخ، لا يمكن أن يحمله إلا مؤسسة، فهذا نعرفه بالتجربة العربية، عبدالناصر ورحيله، حيث قلبت الدنيا من يومها إلى اليوم،و نفس الأمر يحصل لدينا في الحركة الفلسطينية، قد يكون هذا بديهيا وكلاما عاديا، لكن ما دام بأن هذا كما يقولون بديهي وكلام عادي فلماذا لا يطبقونه!؟ غياب المؤسسة مدمر، وحصر السلطات جميعها في يد واحدة، بدون أي دور ولو شكليا للمؤسسية، فهذا خطر كبير علينا وعلى مستقبلنا، ويجب أن لا ننسى الادعاء الفلسطيني القديم بأننا قمنا بعمل أول تجربة ديمقراطية وأننا سنبني أفضل نظام سياسي ديمقراطي، ويجب أن لا ننسى بيان محمود درويش حول بيان الاستقلال عن الوعود. أنا أشاهد مجتمعات تخرج من دائرة التخلف نحو الحداثة، النساء فيها يخرجن من موقع مظلم مكتوم إلى موقع متقدم، نحن بالعكس فأمي كانت أكثر حرية من ابنتي الآن، بالشكل والمضمون.
لدينا تحديات، حتى تحديات مجتمعية، أنا لست خائفاً من كيفية أن يستبدل رأس السلطة أو رأس النظام بطريقة سلسة وديمقراطية، بل أخاف على مجتمعي، فمجتمعي يسير للخلف وليس للأمام، وهذا تحد كبير أمامنا.
وبالنسبة للصراع العربي الإسرائيلي إذا أردتم استنتاجات سريعة، لم يعد من الممكن إدارته بالطريقة التي كانت قائمة في السابق، ولا بطريقة وثيقة جنيف ولا بأي طريقة. إذا لم يحصل هناك تعديل لميزان القوى على الأرض لا سبيل لتحرك هذه القضية على المستوى السياسي، لا بد من أن يكون العنوان الذي تتحدث عنه الحركة الوطنية الفلسطينية من جديد هو محاولة تعديل موازين القوى، وبناء مؤسسات جديدة، فهو جزء من تعديل ميزان القوى ومؤسسات موحدة لشعب واحد بين غزة والضفة. الآن لنرى ما حصل في الـ48، كان لديهم مؤسسة واختاروا رئيسا لها وأجمعوا عليه، وهو رائد صلاح وهذا أعجبني، فذهب وأخذ قيادته وبايع محمد بركة الشيوعي رئيساً لمؤسسة موحدة واحدة وهي لجنة المتابعة العربية، فهذه المؤسسة التي تحظى الآن باعتراف وإجماع وطني من كل الألوان حولها، وأول ما قام به محمد بركة أنه قال بأنه سيستقيل من الحزب الشيوعي، فاعتبر نفسه للجميع بعد أن تم اختياره، هذا نموذج يجب أن نحاول نقله وتكريسه على المستوى الوطني الفلسطيني. أنا كنت أتمنى عندما تم اختيار أبو مازن رئيساً للشعب الفلسطيني أن يخرج في اليوم التالي ويقول بأنه سيستقيل من قيادة فتح، لأن المفترض أن يكون للجميع، وخصوصاً أننا نتحدث عن وضع شعب تحت الاحتلال، وليس أحزاب تتصارع على سلطة في دولة مستقلة.
] الدستور : السلطة لم تعد بحجم طموحات الشعب الفلسطيني، هناك أزمة قيادة فلسطينية، وهناك خوف على الانتفاضة الفلسطينية الثالثة من السلطة وليس من إسرائيل، وخلافك مع محمود عباس لماذا وإلى أين؟ من هو البديل عن محمود عباس برأيك؟
- عبدربه: المشكلة إذا أردنا أن نتحدث اليوم فلا يوجد بديل عن محمود عباس، بغض النظر عن رأيي، لسبب بسيط، لأنه لا يوجد مؤسسة تنتج البديل، ففي الوضع الحالي مجرم من يفكر بأنه ممكن اختراع بديل بوسائل تآمرية انقلابية، فهو مجرم حقاً بحق الشعب الفلسطيني وبحق مستقبله، فنحن نريد أن تنتج المؤسسة، المؤسسة هي المجلس التشريعي وانتخابات، فالخطوة الأولى أننا نريد حكومة وحدة وطنية، وسنصر عليها وأتحدث بها في كل مكان، يجب أن يأتي الجميع ويقوم بعمل حكومة، وهذه الحكومة تشرف على الانتخابات أو تتفق على نظام سياسي مؤقت، بأنه مثلا إذا شغر منصب الرئيس أو غير الرئيس أن تقوم هيئات منظمة التحرير المعنية بملء الفراغ، او تتوافق على صيغة، لأن مشكلتنا ستكون ليس الصيغة من الزاوية القانونية، بل من الزاوية الوطنية السياسية، بأن من يأتي يتوافق عليه الجميع، الآن لا أحد يطعن حتى في حماس بأن أبو مازن هو الرئيس، إنما ماذا سيحصل بعد ذلك؟ أقول بأنه سيكون هناك طعن وصراعات ويمكن داخل منظمة التحرير وفتح أيضاً ..الخ، هذا الأمر الذي نحن نريد أن نتجنبه ما أمكننا ذلك.
أنا أريد حكومة وحدة وطنية لأن هذا الخطوة الأولى التي يجب أن يتلوها انتخابات، وانتخابات ليس لملء منصب الرئيس إذا غاب ، بل انتخابات من أجل المؤسسة، هي التي تقود، ويجد الشعب له مرجعية، المؤسسة هي التي تقرر وهي التي تحاسب الرئيس وغير الرئيس، هذه البديهية الأولى. نحن بأزمة عميقة جداً، الآن هناك اتجاهان في التعامل مع الانتفاضة، اتجاه بأنه لن يكون بمقدورنا أن نفتح باب عملية سياسية مع الإسرائيليين أياً كان شكلها، إلا إذا عدلنا موازين القوى الداخلية.
] الدستور :نريد الحديث عما يحدث في فلسطين من انتفاضة جديدة، نريد وصفا دقيقا ، هل ما يحصل أمر إيجابي، وسطر جديد في حالة نضال فلسطينية جديدة ستبنى عليه الكثير من الأمور مستقبلاً؟ وأيضاً نريد أن تحدثنا عن الدور الأردني تجاه القضية الفلسطينية، أين يقف الأردن في جهوده .
] ياسر عبدربه: ليس دوري بأن أعطي الحراك الشعبي أوصافا وألقابا وأشيد به وأمجده، دوري انا وغيري أن نجد وسائل الحماية التي تكفل لهذه العملية أن تستمر وتعيش، ولذلك قلت بأننا لا نريد تحميلها الكثير ولا نطلب منها الكثير ولا نرهقها حتى لا تهبط تحت الثقل والحمل، وأيضاً أنا ضد أي وصف لها باليأس وأن منطلقها اليأس، فنحن أمام جيل إذا كان لدينا بطالة إجمالية 50%، ففي هذا الجيل البطالة أكثر من 70%، فخريجو الجامعات بعشرات الآلاف، والمحظوظ يجد مجالا للحصول على تصريح للعمل كعامل في إسرائيل بأي ميدان، فالسوق لدينا ضيق للغاية ولا يتسع، لذلك هذا الجيل يريد حياة أفضل، وهو ليس يائساً، بل يريد حياة بها حرية حقيقية، حرية وطنية وحرية اجتماعية أيضاً داخلية، وحرية فردية، هذا كله يندمج ببعضه البعض، وهذا جيل يرى بأن لديه أدوات تفوق على المحتل، لا أحد يستطيع كشفها، من أدوات تفوقه أن المحتل لم يعد يستطيع من خلال أجهزة مخابرات متطورة ودقيقة وتعاون أمني أن يمسك الخلايا التي كنا نركبها ومعها سلاح، والآن أصبح أي فرد ممكن أن يكون خلية لوحده، فكيف سيتم ملاحقة هذا الفرد، هذه واحدة من الوسائل التي يلجأ لها، والوسيلة الثانية استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكفاءة عالية،فهؤلاء بكبسة واحدة يوزعون لمائة ألف بعكس الصحف، وهناك أشكال من التنظيم يبتدعونها، لكن يجب إعطاؤه فرصة ولا يتم إرهاقه بالقول بأن هؤلاء مدفوعون باليأس.
البعض يقارن بين هذه الانتفاضة والانتفاضات السابقة، وهذا أمر خاطئ، وظيفتنا أن نحاول أن نجعل فئات المجتمع الأخرى وليس فقط الشباب أن تكون منخرطة بأشكال متعددة، نتحدث عن المقاطعة الاقتصادية، فنطلب مثلاً من الـBDS أن تقاطع وتفرض مقاطعة لكننا نحن لا نقوم بالمقاطعة، وهكذا، أيضاً هذا ناتج عن غياب المؤسسة الوطنية التي تحظى بالتأييد الوطني الشامل.
واكرر بأن برنامجنا للمرحلة المقبلة إذا أردنا أن نطور الانتفاضة بأن يتم عمل كل شيء، من إعادة بناء المؤسسية، لإعادة صياغة البرنامج الوطني الفلسطيني من جديد، وليس بالتخلي عن مطلب الدولة المستقلة، بل بالإصرار عليه أكثر من أي فترة سابقة، وإيجاد مداخل أخرى جديدة للوصول إلى هذا الهدف، ليس من بينها الآن بالثرثرة والكلام، بل بالفعل، فالأساليب السابقة ربما كانت أحياناً صحيحة جزئياً، وأحياناً أخرى وعلى الأغلب كانت خاطئة، حتى تجربة ما بعد أوسلو، حيث كانت أوسلو مرحلة انتقالية لخمس سنوات فقط، ، ووصلنا في آخر المرحلة الانتقالية لطريق مسدود في التفاوض مع الإسرائيليين، فاستمرت المرحلة الانتقالية إلى الأبد، نحن قمنا بعمل مرحلة انتقالية لخمس سنوات حتى نصل للاستقلال، وإذا لم نصل للاستقلال في آخر المرحلة فهل يعني ذلك أن يستمر الاحتلال للأبد؟!،لقد كان من المفترض أن تتم المراجعة وقتها وفي لحظتها،وان تتوقف في عام 1999-2000 ، وإذا لم نصل ليس معنى ذلك أن نستمر كما نحن، بل يجب أن نعيد النظر في كل شيء.
بالنسبة للجانب الأردني، فالدور الأردني معروف، فلم تكن في السابق فكرة التلاحم والتكامل موجودة أكثر مما هي موجودة في الوضع الحالي، كل آثار مرحلة التنافس السياسي والصراع السياسي أظن أنها قد اندثرت واضمحلت على الجانبين.
] الدستور : السؤال الذي يتساءله الشعب الفلسطيني الآن والمراحل التي مرت بها القضية الفلسطينية، أما آن للقيادات القديمة أن تتنحى جانباً وتسلم القضية للجيل الجديد. أيضاً استخدمت كلمة المؤسسات كثيراً، نحن الآن أمام واقع سلطة لا تملك سلطة، حكومة لا تحكم، قيادة ممزقة، متمثلة بشخص واحد، وهذا الشخص أيضاً لا يحكم، وكنا نتوقع أن يعلن في الأمم المتحدة استقالة السلطة أو الانسحاب. الآن أنتم حريصون على أن لا تسلم القضايا اليومية للشعب الفلسطيني للاحتلال، من مدريد 1991 وحتى الآن، من فشل إلى فشل، ومن سوء إدارة إلى سوء إدارة، وأصبحت السلطة وكأنها نظام في دولة مستقلة. المفروض الآن أن تعترفوا كقيادة قديمة وتسلموا القيادة للجيل الجديد الذي يحمل السكين ويطعن الإسرائيلي.
والسؤال الثاني : الكتّاب والصحف الإسرائيلية جميع عناوينها اندلاعات بسبب إهمال السلطة، وبسبب اليأس، وبسبب الأحوال السيئة، الفلسطيني أصبح يائساً وتواقا لوضع جيد، ولحدود غير مغلقة، كل هذا أشعل الانتفاضة. أنت تتحدث عن إطار قيادي موحد وعمل مؤسسات موحد، لكن هل هذا قريب حسب توقعاتك؟ وأيضاً هل سيتحول الرئيس عباس كما يتم الطرح لياسر عرفات ويطلق لاءاته حالياً، أم ستبقى السلطة صامتة؟
وثالثا :هناك ملاحظة متعلقة بما يتم الحديث عنه في الإعلام ويتم تداوله بأن هنالك رئيسا بديلا وهو محمد دحلان، والملاحظة الثانية متعلقة بمفردة النسيان، فالقضية الفلسطينية الآن والذاكرة العالمية والإنسانية فيما يتعلق بكل ما هو فلسطيني تواجه النسيان، وواضح من الانتفاضة الأخيرة كيف هو التفاعل والتعاون العالمي والدولي والإنساني معها، فواضح بأن القضية الفلسطينية قد تواجه الاندثار، والاندثار والمحو من الذاكرة يبدأ من النسيان. والملاحظة الثالثة تتعلق بما طرحت من مساحات للحوار السياسي والفكري وما يتعلق أيضاً بالانتفاضة الفلسطينية وما جرى، فما جرى لا يقل عما جرى في العالم العربي، ولكن السابقة كانت عكسية، فالقضية الفلسطينية دائماً هي العنوان للجميع وهي النبراس، لكن في الحالة الأخيرة هي العكس، فالفلسطينيون قلدوا الشعوب العربية الأخرى، ولكن فيما يتعلق بالفكرة والمشروع الفكري ليس هناك جامع الآن وفكرة سياسية جامعة، مشروع سياسي ومشروع فكري على المستوى الوطني العام ومستوى الشعب أن يتم التقاطه والسير من ورائه، فأنت تتحدث عن قصة المؤسسة فهذه متعلقة حين يكون هناك حالة استقرار سياسي ودولة حقيقية وليست دولة وهمية. والملاحظة الأخيرة متعلقة بمراجعة السلام، فكرة السلام، واضح أن هؤلاء الشباب الذين خرجوا في الانتفاضة الأخيرة رفضوا أي تدجين، ورفضهم الحقيقي هو لعنوان السلام.
] ياسر عبدربه: الحديث عن المؤسسة ودور المؤسسة ليس ترفاً في وضعنا، ربما يكون في بلد أو دولة مستقلة نوعا من الترف، لكن بالنسبة لنا الحاجة له أكثر من أي بلد آخر مستقل، ولا أتحدث من واقع تجربتي فقط، فأنا أكثر قلقاً على مستقبل هذه الحركة، لأن لها عدو رئيسي واحد وهو الاحتلال، وأيضاً لها خصوم، وأناس ربما تتمنى أن يعود الوضع لما كان عليه، ونتآكل، أنا من الذين يعتقدون أن كل من يفكر أنه من الممكن عودة الأمور إلى ما كانت عليه فهو أعمى البصيرة تماماً، وواهم جداً، لا يمكن ذلك، لكن ذلك ليس معناه أن الأفق إيجابي، ممكن أن يكون الأفق شيئا آخر، فالجميع يعرف بأنه حصلت هبّات عربية، ومن بدأوا في هذه الهبات جيل شباب مثل جيل شبابنا، شباب طبقة وسطى، وعلى الأغلب متعلمون، وطلاب وخريجو جامعات، لديهم طموح هائل في التغيير وفي الحداثة وفي التطوير وفي الحرية بكل أشكالها، لكن هؤلاء الشباب الآن إما في القبور أو في السجون، هناك عشرات الآلاف منهم أبيدوا، دون أن أسمي بلدا ، أبيدوا بإبادة واعية وبتواطؤ واع من السلطة الحاكمة ومن فئات في المجتمع، أو أبيدوا سياسياً، أي تهمشوا ووضعوا على الجنب. أنا لا أريد لشباب بلدي وشعبي أن يواجهوا نفس المصير ويعزلوا، بأي مسمى، لذلك من الذي يحمي هذه التجربة ويطورها؟ أنا أريدها أن تنعكس على السياسة، وبالمناسبة هم لا يرفضون السلام، وليسوا مدفوعين باليأس، بل هم يريدون سلاما، وعدوا فيه هم وآباؤهم قبل أن يولدوا ، فهم يريدون سلاما حقيقيا.. سلاما به حرية وطنية وحرية فردية وحرية اجتماعية، فهذا ما يريدونه، هذا الأمر الذي يجب أن نراه، وأنا قلق على هذا المصير من أن يعزلوا وبالنهاية تتبخر وتكون آخر تجربة عندنا خلال العشر سنوات القادمة. فلذلك إذا لم تحتضن القوى السياسية أو تيارات داخل القوى السياسية هذه الحركة وحاولت أن تحميها، أولاً بوضع برنامج ينسجم معها ومع تطلعاتها، وعنوان هذا البرنامج هو الصمود الوطني وتغيير موازين القوى أولاً قبل الدخول بأي مفاوضات أو غير مفاوضات، وعنوان هذا البرنامج إشراك قوى اجتماعية أخرى بالانتفاضة، فهناك قوى اجتماعية لدينا لم تدخل لغاية الآن في الانتفاضة، وليس معنى ذلك أنها ضد الانتفاضة، فأنا لا أريد أن تؤيدها بل أن تصبح جزءاً منها، مثلما حصل في بدايات الانتفاضة الأولى.
سهل القول لماذا الجيل القديم لا يرحل، فهذا سهل جداً، لكن اليوم يتحدثون عن نتائج الانتخابات المصرية فنصف الذين نجحوا من جماعة عهد العشرينيات والثلاثينيات، ففي الصراعات الاجتماعية لا أحد يتخلى إلا أفراد، أما الفئات الاجتماعية والقوى لا تتخلى قواعدها، وانا لا أريد من أحد أن يقتلع أحدا، لا فردا ولا مؤسسة ولا فئة اجتماعية، بل أريد من الجميع أن يكون موجودا لكن في سياق مشروع وطني تتبناه هذه الحركة الشعبية في الشارع.. مشروع يغير توازن القوى بيننا وبين هذا المحتل، حتى يفهم بأنه أقوى منا ولديه إمكانيات عسكرية واقتصادية ..الخ، ولديه مؤسسات ودور دولي، لكن نحن أيضاً لدينا مصادر قوة، نحن الذبابة التي تزعج الفيل، فهي بحاجة إلى استمرارية وأن لا تستنزف الحركة وأن تستمر.
الأمر الآخر، للأسف في الوضع الحالي المعقد الذي تركّب عندنا، 6-10 سنوات بلا مؤسسة، انقسام غزة والضفة وتمأسس الانقسام، أصبح هناك أجهزة وقوى أمن، وأصبح هناك واقعين مختلفين، ليس بالدعوات الصالحات يزول ذلك، فيجب أن تبدأ الخطوة الأولى، فتصوروا أن يتم عقد اجتماع فلسطيني لكل القوى والتيارات فهذا بحاجة إلى نضال وقوى ضغط ليتم عقد هذا الاجتماع، وهذا ناتج عن تراكم حصل على مدى سنوات، وتمأسس الانقسام، هذه هي المشكلة التي نحن أمامها.
المشكلة الثالثة والأخيرة من ضمن مائة مشكلة، أنا لا أوافق معكم ومن معرفة الوضع الواقعي على نظريات أن هناك مؤامرات وتركيبات، وأن دحلان هو المستقبل، أنا لا أوافق على ذلك، وأعتقد أن أكثر شخص سعيد على هذه التقييمات غير العقلانية وغير الواقعية والتي بها كثير من الخيال اللاعلمي هو محمد دحلان، حيث يتم عمل دعاية له دون أن يتعب بها، لكن هذا غير صحيح، وليس هكذا الوضع الفلسطيني، وليس كذلك واقع الحركة الوطنية الفلسطينية بغض النظر عن مدى السلبيات التي تنخر بها. فإما أن تنهض حركة فلسطينية، تبني على ما تراكم، وما تراكم لغاية الآن مفيد ولكنه ما زال جنينا في مراحله الأولى، إما أن تبني على أساسه، أو نذهب ونرى أنفسنا أمام مزيد من التفتت يحمّل كل منا بعضه والبعض الآخر مسؤولية القضاء على هذا الجنين، ويدفع الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية إلى الكارثة. الدستور - وكالة كل العرب الاخبارية