يستعد الرئيس التركي رجب طيب اردوغان لتشكيل حكومة يهيمن عليه بشكل مطلق بعد فوز حزبه الساحق في الانتخابات التشريعية المبكرة الاحد، ما انعكس ايجابا على اسواق المال لكنه أثار مخاوف لدى المعارضة من نزعته "السلطوية".
وخلافا لكل التوقعات حقق حزب العدالة والتنمية الاسلامي المحافظ فوزا كبيرا في الانتخابات بحصوله على 49.4 بالمائة من الاصوات ليستعيد بذلك الغالبية المطلقة أي 316 من مقاعد البرلمان البالغ عددها 550 مقعدا بحسب النتائج النهائية التي أعلنتها شبكات تلفزة محلية.
وابدى الاتحاد الأوروبي أمس استعداده للعمل مع الحكومة الجديدة في تركيا.
واحتفل اردوغان رمزيا صباح أمس بنجاحه عبر الصلاة في مسجد ايوب في اسطنبول كما كان يفعل السلاطين الجدد في السلطنة العثمانية.
وقال في ختام زيارته "تبينت رغبة الامة بالاستقرار (...) لقد قلت على الدوام امة، علم، بلاد، دولة".
وخاطب رئيس الدولة الواثق بنفسه منتقديه وخصوصا الصحافة الدولية بحثهم على احترام حكم الصناديق، متداركا "لكنني لم المس لديهم مثل هذا النضج".
واجمع مراقبون على تفسير فوز الحزب على انه تعبير للناخبين الاتراك عن رغبتهم في الاستقرار في بلد يواجه منذ نهاية الصيف تجددا لاعمال العنف مع استئناف النزاع الكردي والتهديد المشتدد بعد الهجوم الانتحاري الذي اوقع 102 قتيل في انقرة قبل ثلاثة اسابيع.
وطوال فترة الحملة الانتخابية طرح الرئيس ورئيس الوزراء احمد داود اوغلو نفسيهما على انهما الضامنان الوحيدان لامن ووحدة البلاد ولوحا بخطر "الفوضى" في حال عدم انبثاق غالبية مطلقة للحزب.
ورأى كاتب الافتتاحية في صحيفة "حرييت ديلي نيوز" الناطقة بالانكليزية أمس ان هذه الانتخابات "اثبتت نجاح استراتيجية اردوغان الذي اعاد تجربة حظه في صناديق الاقتراع وقام بمجازفات وبتغيير اولويته من الاقتصاد إلى الأمن".
وانعكست هذه الاجواء على المستثمرين أمس مع إعلان عودة حكم الحزب الواحد.
وسجلت البورصة والليرة التركية ارتفاعا كبيرا مقابل الدولار واليورو لكن هذا التحسن قد لا يكون طويل الامد.
وقال وليام جاكسون من "كابيتال ايكونوميكس" ان الاقتراع "ادى الى تهدئة القلق المتعلق بالاستقرار السياسي، لكن ما يزال يتعين معرفة ما اذا كان حزب العدالة والتنمية سيعمل من اجل استعادة مصداقيته الاقتصادية التي تلاشت ببطء في السنوات الماضية".
ورحب الاتحاد الأوروبي أمس بـ "الالتزام القوي للشعب التركي في العمليات الديمقراطية". وابدى استعداده للعمل مع الحكومة المقبلة لا سيما بخصوص ازمة المهاجرين الملحة.
من جهتها حثت برلين النظام التركي على ادارة البلاد "بذهنية وحدة وطنية وتسوية". وقد دعا قادة الحزب الحاكم جميعا منذ مساء أول من أمس الى وحدة البلاد.وقال داود اوغلو في خطاب "النصر"، "لا خاسر في هذا الاقتراع وتركيا برمتها ربحت"، مؤكدا ان الحكومة المقبلة ستدافع عن المكتسبات الديموقراطية. وقال ان "حقوق الـ78 مليون نسمة تحت حمايتنا".
من جهته، رأى اردوغان في بيان ان الشعب التركي "قال بشكل واضح انه يفضل الخدمة والمشاريع على الجدل، وبرهن ارادة قوية في وحدة وسلامة اراضي" تركيا.
لكن المعارضة عبرت عن قلق متزايد من عودة اردوغان بقوة الى حكم الحزب الواحد وانتقدت نزعته "السلطوية" مجددا.
وقال الكاتب في صحيفة "مونيتور" قادري غورسل ان النظام سيصبح "اكثر سلطوية وسيمارس ضغوطا اضافية" موضحا ان "هذا ما حصل بعد انتخابات 2011 التي فاز بها بنسبة 50 % من الاصوات".
وعبر مراقبو منظمة الأمن والتعاون في أوروبا أمس عن اسفهم لاجواء "العنف" التي سادت حملة الانتخابات التشريعية في تركيا وانتقدوا الحكومة لضغوطها على الصحافة المستقلة.
وفي مؤتمر صحافي في انقرة، اعتبر النائب السويسري في مجلس أوروبا اندرياس غروس انه رغم ان الانتخابات كانت "حرة" فان الحملة جرت في شكل "غير متساو" بالنسبة الى احزاب المعارضة. واضاف "لقد شاب الحملة قدر كبير من الخوف، والخوف هو عدو الديمقراطية".
وعنونت صحيفة "جمهورييت" رأس حربة منتقدي النظام التركي الاثنين "انه انتصار للخوف". واستنكرت في افتتاحيتها الاستقطاب الشديد في البلاد "بين هؤلاء المستعدين للموت من اجل اردوغان ومعارضيه".
وقال رئيس حزب الشعب الجمهوري (اشتراكي-ديموقراطي) كمال كيليشدار اوغلو اعتبارا من مساء أول من أمس، محذرا "لا احد يجب ان يعتبر نفسه فوق القانون"، داعيا السلطة الى "احترام سلطة القانون".
كما ندد رئيس حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للاكراد صلاح الدين ديمرتاش بانتخابات "ظالمة" جرت تحت تهديد الجهاديين، لكنه وعد بمواصلة نضاله "من اجل عملية السلام" بين انقرة ومتمردي حزب العمال الكردستاني.
ونددت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا ايضا بتدخل حكومة اردوغان ايضا بالصحافة المستقلة. وأكدت المنظمة حصول "تدخل في استقلالية خط تحرير وسائل اعلام" من جانب النظام الاسلامي المحافظ.
وقبل اربعة أيام من الانتخابات، اثار اقتحام الشرطة مقري محطتين مقربتين من المعارضة امام شاشات الكاميرا في اسطنبول انتقادات شديدة في العالم اجمع.
وحل حزب الشعب الجمهوري الاشتراكي الديمقراطي في المرتبة الثانية بحصوله على 25,4 بالمائة من الاصوات و134 مقعدا متقدما على حزب العمل القومي (يميني) الذي حصد 12 بالمائة من الاصوات و41 مقعدا، مسجلا بذلك تراجعا كبيرا.
والمفاجأة الاخرى هي ان حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للاكراد الذي حقق فوزا كبيرا ادخله البرلمان في اقتراع حزيران(يونيو)، تمكن بفارق طفيف فقط من تجاوز العتبة التي تسمح له بالتمثل في البرلمان (10,7 بالمائة، 59 مقعدا).-(وكالات)
وكالة كل العرب الاخبارية