ألا تبعث على الشفقة، تلك الممارسات التي تقوم بها بعض العائلات تجاه أطفالها، الذين يفترض أنهم موهوبون في أمر ما؛ حين يستعرضون بهم أمام ضيوفهم، فيطلبون من الطفل أن يغني أو أن يقول شعراً، وما إلى ذلك؟ ألا ينطوي ذلك على استعمال للطفل البريء، وفرض صورة نمطية عنه أمام الناس، ربما لن تناسبه حين يكبر؟
ثم إن دواعي الشفقة تزيد حين يفيض الاستعراض بالطفل عن حدود المنزل. فالعائلة التي تدفع طفلها لاستجداء الناس بعد أن تحفّظه بعض العبارات والأدعية التي ترقق قلوبهم، حالها كحال العائلة التي تدفع طفلتها للرقص أو الغناء أو ما شابه في المناسبات العائلية والاجتماعية، ثم البرامج التلفزيونية؛ فهؤلاء الأطفال لم يختاروا طريقهم في الحياة بعد، وما يتعرضون لهم من عائلاتهم هو بمثابة مصادرة لقرار كل طفل منهم في نوعية الحياة التي سيختار أن يحياها، وفي نوعية القيم التي سيقررها لنفسه حين يكبر، وتكون دليله لتمييز الجائز من غير الجائز، والصحيح من الخطأ من الأشياء.
الطفولة معذبة حين تُصادر، هكذا على الإطلاق، أياً كانت وجهة المصادرة ومضمونها. ثمة من يقول إن دفع الطفل لممارسة فعل ما إنما يدخل في باب توجيهه من قبل عائلته، لما تراه صحيحاً في الحياة، لمساعدته في الاستدلال مستقبلاً على الطريق الصحيحة. من الأمثلة التي تضرب على ذلك، أن عائلات تذهب بأطفالها لقراءة القرآن في المساجد أمام المصلين، أو إصدار تسجيلات بأصواتهم وهم يقرأون القرآن، أو تقديمهم للإمامة في الصلاة بدعوى حُسن أصواتهم، بمعنى أن العائلة التي تدفع طفلها لقراءة القرآن إنما تقصد إرشاده إلى طريق فيها الخير، وتوجيه حياته إلى ما فيه صلاحها. لكن ذلك لا يكون صحيحاً ما لم يجر توجيه الطفل وراء أبواب البيت المغلقة أو في صفوف الدراسة والتعليم، أما إذا تم الأمر أمام الناس، فإنه بالضرورة يخرج عن باب التربية والتوجيه، ويدخل أولاً في باب الاستعراض بالطفل، وثانياً في باب فرض نمط من الحياة عليه من دون اختيار منه.
غالباً ما يثور الطفل على القيود التي تفرض عليه في صغره. الطفل الذي تفرض عليه عائلته رقابة غليظة لممارسة فعل ما، حتى لو كان في رأيها يدخل في باب الصلاح والخير والحياة القويمة، سيسعى على الأغلب إلى قلب هذا السلوك حين يكبر، كي يجرب ما مُنع عنه في صغره، أليس كل ممنوع مرغوباً؟! فكيف سيكون موقف العائلة التي تجد طفلها الذي كان "صالحاً" في صغره حسب معاييرها، قد صار "غير صالح" في كبره؟
المنطقي، لذلك، ومن دون تنظير، أن يُترك للطفل باب الاختيار حين يكبر، بعد أن ينال بالتربية قسطاً من الاطلاع والمعرفة والتمييز. هناك ما يمكن أن نسميه "تربية ديمقراطية"، وهي مما لا يعرفه معظم العائلات العربية، المحافظة وغير المحافظة. قوام تلك التربية هو تجنب فرض نمط الحياة على الطفل، بمعنى تنشئته على الحياة الوسطية، سواء كانت العائلة محافظة أو أياً كانت نظرتها للحياة، من دون تصورات "أيديولوجية" مسبقة، لأن الطفل لن يلتزمها في كبره بالضرورة، ولأنها تعلّم الطفل أن الطبيعي هو مصادرة خيارات الآخرين وحرياتهم.
ما تعرفه ثقافتنا العربية في التربية، هي تلك التربية غير الديمقراطية. لهذا، ينشأ أطفالنا وهم يستمرئون القمع الفكري. فالفتية يتبارون في اقتناص أخطاء نظرائهم أو انحرافاتهم ومعايرتهم بها، ويواصلون ذلك حين يكبرون، فقد تربوا على ممارسة الوصاية على أفكار الآخرين. وحين تُدعم فكرة الوصاية بحجة الإرشاد إلى الصواب الديني، فإنها تنال نصيباً كبيراً من التبرير، ودفعاً كبيراً لمواصلتها بدعوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!
وكالة كل العرب الاخبارية