المنبهرون بالأداء الإيراني.. على رسلكم
منذ التوقيع على الاتفاق النووي في فيينا، افتتحت وسائل التواصل الاجتماعي، وصفحات الرأي في الصحف العربية، ما يشبه مأتماً مقاماً في الهواء الطلق، لندب الحظوظ وقد الجيوب، على ما سيؤول اليه حال العرب، جراء ما سينجم من اختلالات إضافية على معادلة القوة المختلة أساساً في هذه المنطقة، التي ستصبح، وفق هذه القراءات المتطيّرة، سداحاً مداحاً لهيمنة إيرانية، أوسع نطاقاً مما كانت عليه في السنوات العشر الماضية.
شارك في حفلة جلد الذات هذه، كتاب ومعلقون ذوو رؤية رصينة، أحسب أن كثيرين منهم وقع في وهدة المقاربات المتسرعة، أو استسلم لنوبة تشاؤم جارفة، حملته على دب الصوت هلعا، وإطلاق العنان لمخاوف جلها غير مبررة، ولوم كل من يعنيهم الأمر، جراء انقلاب الموازين لصالح مشروع توسعي إمبراطوري، لم تخف طهران يوماً حلمها بتحقيقه، منذ أن دمر الغزو الأميركي ما كان يوصف بحق ببوابة العرب الشرقية الحصينة.
ومع أن هناك ما يدعو إلى القلق حيال ما قد يترتب على هذا الاتفاق من إعادة ترسيم لخريطة المنطقة لصالح الإيرانيين، بفضل حسن أدائهم التفاوضي، ودهاء مراوغاتهم مع القوى الدولية، إلا أن ذلك كله لا يسوّغ للمنبهرين بمهارة نساجي السجاجيد العجمية، محض المفاوض الإيراني كل هذا الإطراء المبالغ به، قبل أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود في ليل نظام الملالي الطويل، ويتم استشراف المشهد الإيراني غداة البدء بتنفيذ استحقاقات هذا الاتفاق المعلق على عدة شروط قاسية.
فإذا ما وضعنا المصاعب الجمة التي يقف كثير منها كعقبات كأداء على طريق تنفيذ هذا الاتفاق المجدول زمنياً، وسلّطنا الضوء على ما ينطوي عليه من تنازلات كانت بمثابة خطوط حمراء إيرانية، فإن من الواقعي الاستنتاج بأننا سنكون أمام إيران أخرى، غير تلك التي درجنا على رؤيتها منذ الثورة الخمينية، إن لم نقل إننا سنشاهد بلداً منقوص السيادة، يطوف المفتشون الدوليون رحاب قلاعه، يقلبون كل حجر فيه، ويستجوبون علماءه، في إطار نظام تحقق صارم، ورقابة حثيثة وطويلة، لم تخضع لمثلها أي دولة عضو في الأمم المتحدة.
ولا أحسب أن الجمهورية الإسلامية، التي سيتم فضّ أسرارها النووية دفعة واحدة، وفتح كل أبوابها المغلقة أمام العيون الإلكترونية الواسعة، سوف تظل تلك الجمهورية المتغطرسة حتى في مرآة نفسها، خصوصاً عندما ينجلي هذا الاتفاق عن صورة إيرانية جديدة، سوف تعيد إنتاجها ديناميات نظام رفع العقوبات التدريجي المشروط بتنفيذ تعهدات ملزمة، بما في ذلك خفض درجات تخصيب اليورانيوم، وتقليل مخزوناته من 20 ألف كيلوغرام إلى 300 كيلوغرام فقط، وتحويل قلب المفاعلات، وإخضاع قدس أقداس قواعدها العسكرية للتفتيش الدائم.
ولعل أشد الأوهام التي حلق في أجوائها المنبهرون بالأداء الإيراني (وهم الذين كانوا منبهرين بالأداء التفاوضي السوري الفاشل)، أن حلفاً بات قيد التشكل بين طهران وواشنطن، وأن باراك أوباما وقع في حب آيات الله، وكأن الرئيس الأميركي يقود جماهيرية شعبية على غرار معمر القذافي، ناهيك عن تدفق مئات مليارات الدولارات على خزينة الولي الفقيه، علما أن البنك المركزي الإيراني قدر كمية هذه الأموال المجمدة بتسعة وعشرين ملياراً، أو قل تسعة وعشرين عصفوراً طليقاً بعد فوق الشجرة، قد يطير الكثير منها عند أول انتكاسة جدية محتملة في التطبيق.
إزاء ذلك كله، فإننا ونحن لا نقلل من أهمية هذا الاتفاق النووي، ولا نبخس المفاوض الإيراني حقه، ندعو إلى الإمساك عن بناء الافتراضات الخيالية، والتوقف عن خلق أجواء هزيمة نفسية ذاتية، أحسب أن إيران، المراهنة دائماً على نجاعة مبالغاتها، ومضاء مثل هذا السلاح الذي فلت عاصفة الحزم حديده مؤخراً، هو أكثر ما ترجو طهران تحقيقه في المرحلة المقبلة، وما تسعى إلى تعميقه في الوعي العربي العام، رغم كل ما يبدو لنا من انكفاء ظاهر في المشروع التوسعي الإمبراطوري، الذي بات يمشي على عكازتين خشبيتين في العراق، وعلى عكازة واحدة في سورية، وليس في وسعه المشي في اليمن أو في غزة خطوة واحدة.وكالة كل العرب الاخبارية