عمان- أكدت الخبيرة السياسية الأميركية الدكتورة نادية عويدات أن "ليس لدى الولايات المتحدة خطة واضحة أو محددة للقضاء على "داعش" أو مكافحة الإرهاب، "إذ ما تزال الإدارة الأميركية الحالية تبحث عن الحلول" بشأن ذلك.
ولفتت المحاضرة بالفكر الإسلامي في جامعة جورج تاون، في مقابلة مع "الغد"، الى الانتقادات التي توجه للرئيس الأميركي باراك أوباما من أنه "ليس لديه استراتيجية واضحة لإحتواء أو القضاء على تنظيم "داعش" في العراق وسورية"، لكنها رأت في الوقت نفسه إن أوباما "يدرك بأن الحلول العسكرية عقيمة ولن تجدي نفعاً، فضلاً عن أنه يريد أن يوفر الأرواح والأموال الأميركية المترتبة على أي تدخل عسكري، رغم أنه يتدخل ولو بشكل جزئي عن طريق الضربات الجوية أو إرسال عدد محدد من المستشارين" العسكريين.
واضافت عويدات، وهي أميركية من اصول أردنية، وتعمل باحثة رفيعة المستوى في مركز أميركا الجديدة للبحوث "نيو أميركا"، ان واشنطن "لا تستطيع وحدها أن تقرر نتيجة الحرب على الإرهاب، فلدول المنطقة دور فعال، وعليها أن تجد الحل بنفسها فالايديولوجيا الإرهابية مستوطنة في المنطقة".
واعتبرت ان إيران "لا يمكن أن تلعب دوراً إيجابيا في الحرب على "داعش" ومكافحة الإرهاب"، مبينة "أن الطائفية لا تزيد المنطقة إلا دماراً، ولا يمكن لأي دولة طائفية مهما كانت أن تلعب دورا إيجابيا في المنطقة".
وبخصوص الأزمة السورية، قالت "إن الوضع في سورية معقد للغاية فعلاً، وعدم وجود حليف للولايات المتحدة يعقد الوضع أكثر"، مؤكدة "أنه لا أحد يعرف كيف ستنتهي الحرب في هذا البلد".
ولا تتوقع ان يكون هناك استقرار على المدى البعيد في منطقة الشرق الأوسط، "بسبب الاضطرابات الأمنية التي تجتاحها، وعدم وجود أسس ديمقراطية حقيقية".
عويدات، وهي عضو مجلس الأمناء في المنظمة الدولية للدبلوماسية والأديان، ترى أن واشنطن "سوف تسعى جاهدة لكي يبقى الأردن آمناً مستقراً، إذ أن المملكة هي بالفعل من أقرب الحلفاء للولايات المتحدة، ليس فقط من قبل الإدارة الأميركية بل من قبل الكونغرس والشعب الأميركي بشكل عام".
وأوضحت "أن الأردن أبدى قدرة عظيمة على تحمل ضربات المنطقة لعقود طويلة، واستمراره في أن يكون رمزا للاستقرار هو أفضل هدية يقدمها لشعبه وللعالم".
وفيما يتعلق بالصراع العربي - الإسرائيلي، أكدت عويدات، المحللة السياسية السابقة في شؤون الشرق الأوسط بمؤسسة راند للبحوث وعضو التحالف القيادي الأميركي الإسلامي، أن الإدارة الأميركية "فقدت الأمل بهذه المسألة، إذ حاولت من خلال وزير الخارجية جون كيري أن تجد حلا دائما لهذا الصراع"، مبينة أن حكومة بنيامين نتنياهو "لن تسمح بذلك".
وفيما يلي نص المقابلة:
• هل من الممكن توضيح الموقف الأميركي من الأوضاع في العالم العربي، ولاسيما دعم التحول الديمقراطي الحقيقي في المنطقة، وخاصة بعد بدء الربيع العربي العام 2011؟
- عندما نتكلم عن الموقف الأميركي من المنطقة يجب أن نضع في الاعتبار محورين يحددان بشكل كبير معالم هذا الموقف، أولهما الإدارة نفسها، فيما إذا كانت جمهورية أو ديمقراطية، حيث أن لكل رئيس ضمن هذين الحزبين شخصيته الخاصة، والتي تنعكس على سياسة إدارته الخارحية.
فكلا الحزبين لديه أسلوبه الخاص في التعامل مع السياسة الخارجية، إذ يظهر هذا بوضوح في الاختلاف بين الرؤساء الأميركيين جورج بوش الأب وبيل كلينتون، وبين جورج بوش الأبن وباراك أوباما.
المحور الآخر هو السياسة الداخلية بكل ما فيها من تعقيدات، فالمجتمع الأميركي بشكل عام غير مهتم بالسياسة الخارجية. لكن جميع الإدارات الأميركية تريد الاستقرار والسلم للمنطقة رغم صعوبة تصديق هذا أحيانا.
• هل عدنا إلى المرحلة السابقة التي ساد فيها الاعتقاد بأن الديمقراطية لا تخدم المصالح الأميركية بالضرورة، بما يحتم تبني السياسة الواقعية القائمة على دعم هذه المصالح، بغض النظر عن المبادئ والقيم والمثل الأميركية؟
- ما تزال الولايات المتحدة تؤمن بالديمقراطية، لكن هناك قناعة الآن أن هذه الديمقراطية لن تأتي بتدخل عسكري، من قبل الولايات المتحدة، بل برغبة حقيقية من قبل شعوب المنطقة.
بسبب الاضطرابات الأمنية في المنطقة، أصبح الاستقرار مرة أخرى من الأولويات، لكن للأسف لا يوجد استقرار على المدى البعيد بدون بناء أسس ديمقراطية حقيقية تشعر الشعب بأنه يساهم بشكل فعال في بناء بلاده.
• ما هو تقييمك لاستراتيجية الرئيس باراك اوباما لإحتواء أو القضاء على تنظيم "داعش" في العراق وسورية؟
- من الانتقادات التي توجه لأوباما أنه ليس لديه استراتيجية واضحة، سوى بأنه يدرك أن الحلول العسكرية عقيمة لم تجد نفعاً من قبل في أي من التدخلات السابقة لأميركا.
لذلك يريد الرئيس أوباما أن يوفر الأرواح والأموال الأميركية المترتبة على أي تدخل عسكري أميركي إضافي في المنطقة، فالرئيس أوباما قال عدة مرات إنه يريد من حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة أن يحلوا مشاكلهم بأنفسهم، لأن المشكلة هي أولاً وأخيراً مشكلتهم. ومع هذا فهو مضطر للتدخل ولو بشكل جزئي عن طريق الضربات الجوية أو ارسال عدد محدد من المستشارين.
• هل مبدأ الصبر الاستراتيجي الذي تتبعه واشنطن للقضاء على "داعش" ضمن خطة تستغرق، حسب تصريحات أميركيين ما بين 3 و5 أعوام، هل هذا المبدأ أو الخطة مجد، وهل يمكن القضاء على "داعش" خلال تلك الفترة؟
- المبدأ هو ليس مبدأ صبر، وإنما مبدأ عدم تدخل عسكري، شبه مؤكد فشله لو تم. فالإدارة الأميركية الحالية تفضل الحلول الدبلوماسية، بينما المنطقة غارقة لأذنيها في الحلول العسكرية ومحاولة حسم المعارك بالقوة العسكرية.
إن الشيء الوحيد المستعد لتقديمه الرئيس أوباما هو ضربات جوية وإرسال مبعوثين عسكريين لتدريب القوات المحلية، لكي تأخد الأخيرة على عاتقها حفظ الأمن. يجب أن لا ننسى أن هذه الحروب، سواء الحرب على الإرهاب أو حرب العراق، هي حروب ورثها أوباما عن الرئيس بوش. ولكنه ما يزال يتعامل مع تبعاتها حتى في إدارته الثانية. كثير من المحللين السياسيين في واشنطن يصفون ما يحدث في العراق بأنه أسوأ مما حدث في فيتنام أو أي مكان آخر.
• هل يمكن أن تلعب إيران، وخصوصا بعد الاتفاق النووي أو المصالحة بين طهران وواشنطن، دورا إيجابيا في الحرب على "داعش" ومكافحة الإرهاب، أو ترك أثر إيجابي بشأن ذلك؟
- إن الطائفية لا تزيد المنطقة إلا دماراً. لا يمكن لأي دولة طائفية مهما كانت أن تلعب دورا إيجابيا في المنطقة. فالطائفية تمزق الأوطان ولا تشفيها.
• في ظل عدم وجود شريك للولايات المتحدة على الأرض فيما يتعلق بسورية، هل تستطيع الإدارة الأميركية تحقيق أهدافها بهذا البلد، خصوصا بأنه يوجد شريك مثل ذلك لأميركا في العراق؟
- الهدف الوحيد لأميركا في سورية هو الاستقرار، وانتهاء الحرب. بنفس الوقت الولايات المتحدة ليست مستعدة للتدخل عسكريا. الوضع في سورية معقد للغاية فعلاً، وعدم وجود حليف يعقد الوضع أكثر. لا أحد يعرف كيف ستنتهي الحرب في سورية.
• وفي ظل غياب الشريك في سورية هل تستطيع واشنطن القضاء على الإرهاب، ومن ضمنه "داعش"، وما هو البديل المحتمل للتحالف الدولي بقيادة أميركا في سورية؟
- لا تستطيع الولايات المتحدة وحدها أن تقرر نتيجة الحرب على الإرهاب، فلدول المنطقة دور فعال. لكن دول المنطقة الآن في انشقاق طائفي بين المعسكر الشيعي والسني، إذ أن الانقسام الطائفي يساعد على انتشار الإرهاب.
في الواقع ليس لدى الولايات المتحدة خطة واضحة أو محددة للقضاء على الإرهاب، فقد عقد البيت الأبيض قمة للنظر في وسائل القضاء على الفكر العنفي، ولقد حضرت هذه القمة شخصيا.
من الواضح أن الإدارة ما تزال تبحث عن الحلول، فيما يجب على دول المنطقة أن تجد الحل بنفسها فالايديولوجيا الإرهابية مستوطنة في المنطقة وتجذب اليها مسلمي العالم الذين يؤمنون بنفس الفكر المتطرف.
الحرب هي حرب أفكار، وليست حرب جيوش. لا تستطيع الولايات المتحدة أن تحارب الايديولوجيا الإرهابية. المسلمون وحدهم من يستطيعون دحر إرهاب الإسلام المتطرف.
• من وجهة نظرك، هل الأولوية للإدارة الأميركية في سورية إسقاط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، أم القضاء على "داعش"؟
- أولوية الإدارة الأميركية حالياً هي القضاء على "داعش". إذ ليس من المنطق أن تكون أولوية الإدارة إسقاط الأسد، بينما ينعدم وجود بديل له.
• في السياق ذاته المتعلق بالموقف من التطورات الجارية في العالم العربي، هل تنظر الولايات المتحدة إلى التصدي لتنظيم "داعش" باعتباره مبرراً لعدم اعتبار تشجيع الديمقراطية في المنطقة عموماً أم العكس؟ أي أن التصدي لظاهرة التطرف عموماً يمر عبر مزيد من الإصلاحات على المستويات كافة؟
- إن الولايات المتحدة تدرك الآن بأن الحلول العسكرية وحدها غير مجدية. فقد أمر أوباما بدراسة للتحقيق في مدى فعالية تسليح المعارضة في السابق، حيث أكد التقرير المتمخض عن هذا التحقيق بأن هكذا تدخلات لم تنجح قط إلا في أفغانستان عندما ساعدت الولايات المتحدة حركة طالبان في حربها ضد الاتحاد السوفياتي.
لكن حتى هذا "النجاح" عاد على الولايات المتحدة بالمشاكل. لذلك تتردد إدارة أوباما في دعم الحلول العسكرية.
إذاً يبقى الحل في أيدي حكومات تتحكم بمصير شعوبها، وهي التي تقرر إذا ما أرادت أن تسير ببلادها نحو الديمقراطية أو لا، كما يبقى الحل أيضاً بيد الشعوب التي يجب أن تقرر أيضاً كيف تريد أن تُحكم.
تدرك الولايات المتحدة بأنها لا تستطيع أن تجبر أي دولة على أن تصبح أكثر احتراماً لحقوق الإنسان أو أكثر ديمقراطية. ولكن الربيع العربي أظهر بأن الشعوب لديها قوة إذا أرادت أن تستخدمها.
• باعتراف كثير من دول العالم، لاسيما الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، قدم الأردن على الدوام نموذجاً مميزاً في المنطقة، أهله للحفاظ على استقراره حتى في زمن الاضطرابات الإقليمية والحروب الأهلية الحالية. كيف تنظر الولايات المتحدة فعلياً للأردن، بمعنى العمل على دعم هذا الاستثناء الأردني الذي يعد أيضاً مصلحة أميركية؟
- الأردن هو بالفعل من أقرب الحلفاء للولايات المتحدة، ليس فقط من قبل الإدارة الأميركية بل من قبل الكونغرس أيضا ومن قبل الشعب بشكل عام.
الشعب الأميركي لديه صورة إيجابية جداً عن الأردن، بدأت بالراحل جلالة الملك الحسين بن طلال، وتستمر مع جلالة الملك عبدالله الثاني. فعندما أذكر أنني من الأردن، يكون الرد دائماً إيجابيا.
أصدقائي من دول عربية أخرى لا يحظون بنفس الرد على الإطلاق. الولايات المتحدة تنظر للأردن على أنه حليف في أكثر من مجال.
• وما هو المطلوب في المقابل من الأردن، من وجهة نظر أميركية، سياسياً واقتصادياً، للبناء على الحالة القائمة وتطويرها، خاصة أن الأردن هو الدولة العربية الوحيدة المشاركة حالياً في القصف الجوي ضد "داعش" خصوصاً في سورية؟
- أفضل ما يمكن أن يقدمه الأردن لشعبه وللعالم، هو الاستمرار بالاستثمار بأفضل موارده، وهو المورد البشري. إذ أن الأُمية شبه معدومة في الأردن، كما أن الأردن يشكل أحد أكبر بؤر المنطقة في التكنولوجية والإبداع.
إن دعم الحكومة الأردنية لهذه القطاعات، والتي تساعد على الاستقرار والازدهار، قد يكون أكثر ما يستطيع الأردن تقديمه كمثال لبلد ناجح ومستقر في المنطقة.
• ما الذي يضمن للأردن ان يبقي على قدرته وجاهزيته في الحرب على الإرهاب؟
- أبدى الأردن قدرة عظيمة على تحمل ضربات المنطقة لعقود طويلة، واستمراره في أن يكون رمزا للإستقرار هو أفضل هدية يقدمها لشعبه وللعالم. الولايات المتحدة تثمن استقرار الأردن، وسوف تسعى جاهدة لكي يبقى الأردن آمناً مستقراً.
• ما سبق يرتبط حتماً بالقضية الفلسطينية، والوصول إلى حل دائم للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي. فهل يمكن أن نتوقع أي حراك أميركي في هذا الاتجاه، لاسيما في ظل الإخفاقات الدبلوماسية السابقة بحكم مواقف حكومة بنيامين نتنياهو، وقرب انتهاء ولاية الرئيس أوباما ودخول الولايات المتحدة مرحلة الانتخابات الرئاسية المقبلة؟
- من الواضح أن الفلسطينيين قد حققوا إنجازات باهرة في المحافل الدولية، فالاعتراف بالدولة الفلسطينية يشكل ضغطا على إسرائيل للاتجاه نحو حل الدولتين. كما يظهر نجاح الفلسطينيين الباهر من خلال استطاعتهم العمل بشكل مستقل دون وساطة أحد. إن التعويل الآن يجب أن يكون على اتحاد الصف الفلسطيني.
أما فيما يتعلق بالدور الأميركي، فقد حاول وزير الخارجية جون كيري أن يجد حلا للمسألة الفلسطينية، لكن من الواضح أن حكومة نتنياهو، كما قال نتنياهو نفسه، لن تسمح بذلك. لذلك يبدو أن هذه والادارة فقدت الأمل، وسوف ترث الإدارة الأميركية المقبلة القضية الفلسطينية
وكالة كل العرب الاخبارية