المزيد
"داعش" يحتلنا!

التاريخ : 12-03-2015 |  الوقت : 08:58:06

بشكل غير مقصود أحيانا، يجري تضخيم الحديث، من قبل البعض بيننا، عن مخاطر تنظيم "داعش" على الأردن واستقراره، إلى درجة جعلت التنظيم الإرهابي مسيطراً على كل شيء؛ يحتل العقول والأذهان.
أما النتيجة العملية المتجسدة على أرض الواقع لهكذا تضخيم تمارسه النخب السياسية، أو غالبيتها على الأقل، فهي بثّ روح التردد، بشكل أو آخر، على صعيد العمل والإنتاج، طالما أن "داعش" على الأبواب، كما يُصوّر الوضعَ هؤلاء!
صحيح أن "داعش" يمثل تحدياً كبيرا، لكنه وفق أكثر التقديرات تشاؤماً، لا يصل حدّ تشكيل خطر وجودي للأردن. فالتهديد الخارجي منه يكاد يكون معدوما، لأن الجبهات الحدودية محميّة من الجيش العربي؛ ولتبقى المخاوف الداخلية أكثر توقعاً، لكن ليس إلى مستوى إدخال البلد في حالة من الركود الاقتصادي.
مرآة الاقتصاد، عادة وأساساً، هي البنوك، والتي تشكو من تراجع وتيرة العمل بشكل ملحوظ. وكذلك محالّ تجارة التجزئة التي باتت تشكو دائما، بدورها، من تراجع نشاطها. وهما مؤشران يمسّان عصب الاقتصاد، ونموه.
التحوط تجاه "داعش" ضرورة وطنية، لكن ذلك لا يكون بتقديم صورة مغلوطة عن الحالة الأمنية الأردنية، تنعكس بشكل سلبي على الاقتصاد بقطاعاته المتعددة. ويبرز هنا خصوصاً قطاع السياحة الذي يعاني من تراجع عدد الزوار الأجانب، بسبب انطباعات غير صحيحة، يولّدها سياق الحديث غير الدقيق وغير المتوازن عن الحرب ضد "داعش".
اليوم، بدلا من أن يعجّ البلد بالمؤتمرات الإعلامية والاقتصادية على تنوعها، نراه يزخر بإعلانات عن لقاءات ومؤتمرات متعلقة بالاعتدال ومحاربة التطرف فحسب، رغم أن حربنا الأهم هي معالجة مشكلاتنا الاقتصادية التي تنخر حياة الناس في غالبيتهم العظمى.
المطلوب، من أجل تبديد الصورة المتشائمة والتخفيف من حدة التركيز على "داعش" كتهديد، بلورة خطاب إعلامي سياسي مختلف، تقدمه النخب السياسية والإعلامية.
الحرب على "داعش" لا تكون بالمؤتمرات المنادية بالاعتدال والوسطية؛ بل هي حرب تُخاض ويتم تحقيق النصر الحاسم فيها، بالعمل والإنتاج، وتقديم خطاب يمضي بالأردن إلى مرحلة جديدة من البناء، تجعله قادرا على مواجهة التحديات الاقتصادية التي تهدد أمن واستقرار البلد أكثر من أي تنظيم إرهابي.
وفي خطابه الجامع لأبناء شعبه، أكد جلالة الملك أن "التفاخر هو  بالعمل وليس بالقول، واحترام المثابرة في العمل والإنجاز وتخطي الفشل".
هكذا، يكون المطلوب أيضا في هذه المرحلة الحساسة أن لا نفقد البوصلة في مواجهة التحديات. ومرة أخرى، فإن المبالغة في الحديث عن "داعش" الإرهابي تأتي بنتائج عكسية تماما، لا تكاد تختلف عن نتائج إغفال هذا التهديد بحدوده الحقيقية.
للحرب على "داعش" جبهات معينة تخاض عليها. أما أن تصبح الشغل الشاغل والوحيد للناس، فذلك لا يعني إلا أمرا واحدا، هو عجز الأردن عن مواجهة التطرف، لأنه سيفشل في مواجهة تحدياته الأزلية التي تشكل مورد الإحباط ومن ثم التطرف بكل أشكاله.
كذلك، فإن للغرب والدول المتقدمة عموماً أن ينشغلا بهذا التهديد أكثر منا. فهؤلاء قطعوا شوطا طويلاً في تكريس حقوق الإنسان؛ الاقتصادية قبل السياسية، فيما ما يزال أمامنا نحن الكثير مما يتوجب علينا فعله، بحيث لا يكون منطقياً ولا منتجاً انصرافنا إلى خطر "داعش" وحده. كما لا يجب أن نسمح لهكذا تنظيم بأن يقلقنا أكثر مما هو مطلوب وضروري فعلاً، فذلك بحد ذاته انتصار لداعش على المدى القصير، وكذلك على المدى الأبعد، لأننا سنكون قد خسرنا معركتنا الحقيقية المتمثلة في إنجاز التنمية الفعلية والمستدامة.

جمانة غنيمات



تعليقات القراء
لايوجد تعليقات على هذا الخبر
أضف تعليق
اضافة تعليق جديد

الحقول التي أمامها علامة * هي حقول لابد من ملأها بالبيانات المطلوبة.

:
:
:
 
أخر الأخبار
اقرأ أيضا
استفتاءات
كيف تتوقع نهاية الاحداث الجارية في قطاع غزة؟



تابعونا على الفيس بوك