المزيد
الكواشي وأزمة التجهيل

التاريخ : 11-01-2015 |  الوقت : 07:51:50

ولد شريف الكواشي إلى عالم من الفقر والضيق والاغتراب الثقافي والهوياتي. نشأ منعزلا عن جذوره العربية الإسلامية. ونما يحمل هوية فرنسية لم ينتم إليها أو إلى قيمها. كمثل آلاف الشباب الذين رُموا إلى ذلك الواقع القاتم، واجه شريف الكواشي الضياع.
بحث عن مخرج من ذلك الواقع بداية في بيئته المباشرة. مارس العصاباتية المتجذرة في عالمه المحروم ثم حاول أن يجد ذاته في غناء "الراب" الذي ينطق بهموم ذلك العالم وطموحاته. لكنه فشل في أن يجد نفسه في محيطه فتوجه نحو جذوره التي لم تقل غربته عنها عن غربته عن راهنه لعله يجد فيها ما يملأ فراغه الهوياتي ويسد حاجاته. 
وهنا بدأت المشكلة. تلقفه دعاة الجهل والحقد ممن شوهوا جذوره ودينه وثقافة أهله الأصلية. زادوا من انفصاله عن راهنه وصوروه له دار كفر لا خير فيها ولا أمل. الخلاص في عالم آخر طريقه القتل والتحرر من القيم الإنسانية. جندوا الكواشي في همجيتهم عبر إقناعه أن هويته الضائعة موجودة هناك في ظلامية القتل العبثي.
لم يتعرف الكواشي على دينه وهويته الثقافية من خلال والديه أو على أيدي من فهمهما وتشبع ما فيهما من قيم الرحمة والإنسانية والمحبة واحترام الآخر. تعرف على نهج مشوه لهما بتلقين من ضلاليين قدموا الدين كرها ودمارية.
أشبع الكواشي حاجته إلى الانتماء إلى هوية. وقهر شعور التهميش عبر الانضمام إلى خلايا الموت، التي أوهمته أنها تمثل تعاليم دينه وتنهل من موروثه الثقافي. ملأته حقدا تجاه عالمه، وأقنعته أن قتل الآخر واستباحة الحياة البريئة ستأخذه إلى الجنة الموعودة حيث العدل والكرامة.
المشكلة لم تبدأ بشريف وشقيقه ولن تنتهي بقتلهما وقتل الألوف ممن استغل الظلاميون جهلهم وعجزهم. المشكلة في أمثال فريد بنيتو وجميل بيغال الذين يقتنصون ضياع شباب مجهل مقهور كمثل كلاب مسعورة تنقض على فريسة سهلة.
هي في من يتقنعون فهماً مشوها للدين غطاء لعجزهم ولعقد نقصهم فيفرضون أنفسهم قادة وأمراء عبر استغلال مشاعر التهميش والحاجة.
والحل بدايته في مواجهة هؤلاء وكل من يبرر لهم همجيتهم عبر استحضار المظلوميات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لن يهزم الإرهاب ومروجوه ودعاته إلا إذا زال الخوف من التصدي لهم ولهرطقاتهم ولكل من يحاول إفقاد الشباب الأمل وتقليل قيمة الحياة عندهم.
لو التقى شريف بمن يفهم الدين محبة وتسامحا وأملا وهو يبحث عن هوية وانتماء ما كان سار نحو قاع اللاإنسانية التي سلك. ولو وجد من يفند زيف ادعاءات بنيتو وبيغال حول موروث أهله وعلاقاتهم بالآخر لربما تقبل المجتمع الذي وُلد إليه ومنحه هويته.
الحرب ضد الإرهاب ليست معركة عسكرية ضد عصابات القتل فقط. هي معركة ضد الجهل والغرائزية الفوقية التي تدعي أفضلية ضد كل آخر، فتكفر وتحلل القتل على هواها، ووفق تفسيرات بالية لدين لا علاقة لقيمه وجُل تاريخ أتباعه بما يروج له أمراء الجهل ومن يلتقي معهم، إما جزئيا حول ما يدعون، أو صمتا مولودا من وحدة العدو.
لذلك لا جدل في أن الحرب ضد الإرهاب حربنا. نخوضها في سورية والعراق وفي دكاكين التجهيل المنتشرة في ساحات الفقر والعوز والتهميش في بلادنا، ونشنها فكريا وثقافيا ضد كل من يروج للإرهاب، أو يمهد له عبر نشر مفاهيم لا يمكن إلا أن تحيض به.
الجرائم البشعة التي ارتكبت في باريس تنضم إلى المشهد الهمجي الذي رسمه الإرهابيون سابقا في الرياض وعمان ونيويورك ومدريد، ويتوغلون في تكريسه في سورية والعراق، لتستدعي فعلا تأخر كثيرا في مواجهة دعاة الجهل ودحرهم فكريا وأمنيا وعسكريا.

 

ايمن الصفدي



تعليقات القراء
لايوجد تعليقات على هذا الخبر
أضف تعليق
اضافة تعليق جديد

الحقول التي أمامها علامة * هي حقول لابد من ملأها بالبيانات المطلوبة.

:
:
:
 
أخر الأخبار
اقرأ أيضا
استفتاءات
كيف تتوقع نهاية الاحداث الجارية في قطاع غزة؟



تابعونا على الفيس بوك