المزيد
الى أين سائرون بِنا أم الى أين نحن سائرون؟!

التاريخ : 11-02-2015 |  الوقت : 11:39:34

 

 

نشر بتاريخ 9/11/2014

أكتب هذا الموضوع تحت رغبة وطلب أصدقاء وقرّاء بعودتي للكتابة، فلا أخفي توقفي عن كتابة المقالات لشهورعديدة ماضية بسبب حالة الإحباط التي تعتريني من الأوضاع العامة المتردية التي تسود مجتمعاتنا العربية والإسلامية وقد مللت، ولعل ما حفزني بالعودة للكتابة أكثر هذه المرة مسعاي محاولاً تفسير لإبني معنى حديث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم:" كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ"،  فقد وجدت في التفسير والتفكير والتأمل معاني ودلالات أعادت لي عزيمة الكتابة، جرّاء معرفة عظمة ديننا الحنيف وعدالته، فالإمام في شعبه راع ومسؤول عن رعيته والرجل في أهله راع وهو مسؤول عن رعيته والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رعيته، فهي مسؤولية جامعة تقع على كافة افراد المجتمع مهما تدنت منزلتهم وقل شأنهم لأن لهم تأثيراً لا يعلمه إلا الله وحده في صلاح المجتمع والأمة، فكلنا في هذا الكون لنا أدوار ربما نعرفها وربما لا نعيها، فسبحان الله وتعالى فقد صدق المثل الشعبي:"إنّ الحجر الصغير يسند جرة أو صخرة"، وربما ذلك الحجر الصغير بمهمته الصغيرة يمنع بناية من السقوط أو جبلا من الانهيار، وربما يقوم هذا الحجر بسد ثقب فيمنع سداً من التسرب والانفجار، وقد اكد العلماء والمفكرين بأن المخلوقات الصغيرة كالنمل والذباب والنحل وما لا نعرف من الحشرات في هذا الكون لها مهام صغيرة تساعد على حفظ هذا الكون من الإنهيار، فسبحان الله في مخلوقاته؛ وكما قال الشاعر : " لا تحقرن صغيراً في معاملةٍ ... إنّ البعوضةَ تدمي مقلة الأسدِ".

    والإنسان كما سائر المخلوقات في هذا الكون، "كلُّ سيّر لما خلق له"، فما دورنا في هذا الكون وخلافته، ونحن الذي كرّمنا الله بالخلافة على هذه الأرض، وحمّلنا رسالة الدين والسلام إلى العالم لنأخذ طريقنا إلى الإصلاح المجتمعي والبيئي والكوني، من خلال تلك المهام الصغيرة التي أودع الله فينا سرها، لنكون"كالبنيان المرصوص"، حيث تتكامل أدوارنا في الكون من أجل حياة فضلى وكريمة أذا إستقام إيماننا وصلح عملنا.

   في هذا الموضوع الجدلي الذي بصدده مفارقات أثرت في عزيمتي وفي معتقداتي والمسلمات والمباديء التي أتبناها، كلها تتعلق بالواقع الذي تعيشه مجتمعاتنا العربية والإسلامية منذ قرون حتى وصلت الى ذروتها من التردي في وقتنا الراهن، تساءلات عديدة تدور في ذهني دوماً حول المشكلة ومن المسؤول عن تردي أوضاعنا ؟! هل هي حالة من العداء والتخطيط والتدبير والمؤامرات الخارجية لتدمير الأمة وأضعافها ونهب ثرواتها منذ عقود؟ أم أن نحن مسؤولون عن تردي أوضاعنا في كافة الشؤون والمجالات؟ وإذا كنا نحن مسؤولون فعلاً عن تردي أوضاعنا، فهل السبب يكمن في جدلية علاقة الحاكم بالمحكوم بمجتماعتنا ؟ أم أن السبب في الرجعية المتعصبة والعادات والتقاليد والموروث الإجتماعي والتقليدي؟ أم في المعتقدات الدينية التي حرفت وفهمت بطريقة خاطئة؟ أم في الجهل وغياب الإبداع؟ أم هي مشكلة الفقر والبطالة؟ أم في الفساد والظلم وغياب العدالة والمساواة وانعدام الحقوق كافة وتدنيها؟ فالجدلية والأسئلة عديدة لا تنتهي! لكنها  تتمحور حول معرفة من المسؤول عن هذه الأوضاع السيئة والى  أين نحن سائرون؟!

  إزاء كل هذا، فإن لدي قناعة وإجابة واحدة حول السبب الرئيس لتردي أوضاعنا تتركز على مسؤولية الوحدة الأساسية لأي مجتمع وهو الفرد"الإنسان" العربي والمسلم عن هذا الواقع، فالإنسان العربي المسلم يعيش حالة من الضياع والتشتت وإختلاط كافة مفاهيم الحياة عليه خصوصاً في معتقداته الدينية، فنحن نعيش في دول إسلامية ذات منهج ديني متكامل لكافة مناحي الحياة، لكن للأسف فإن الغالبية العظمى منّا لا تطبق تعاليم الإسلام الحنيف كما هي في منهج الكتاب والسنة وقد ظللنا الطريق لسوء التفسير او للبعد عن المنهج، قال تعالى:"إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بإنفسهم"، وهنا لا أدعي بأني داعية وفقيه ومُلِم بعلوم الدين الإسلامي ، لكني كإنسان عادي أؤمن بعظمة هذا الدين من خلال سماحته ورحمته وعدالته ونشر تعاليمه بالحسنى وبالترغيب لا بالترهيب والقتل كما تسيرعليه التنظيمات الدينية المتشددة الحالية التي تصدر الفتاوي لنفسها وتحرم وتكفّر وفق أهوائها لتعطي الذرائع لقتل البشرية وحتى أبناء جلدتهم في العرق والدين والمذهب الواحد بحجة الخروج عن منهجهم، أليست هذه رجعية ؟ أليس هذا ظلم للأمة ودينها وحضارتها العريقة وصورتها، هل ديننا الإسلامي انتشر وخرج من مكة الى المدينة الى الجزيرة العربية ثم للعالم بالترهيب والقتل أم بتعاليمه السمحة وبمنهج دعوي قويم ضمن أسس ومباديء محترمة حتى وقت الحرب، فقد منع الإسلام التعرض للأطفال والطاعنين في السن والمسالمين في بيوتهم ممن لا يحملون السلاح وحتى أهل الذمة فهم على دينهم وفي حماية الإسلام منّا ومن غيرنا إذا توفرت الشروط وأقيمت دولة الخلافة العادلة الصحيحة، وهذا كله جلياً وواضحاً في تعاليمنا الاسلامية ومنصوصاً عليه في رسالة سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام ودعوته للجيش والمحاربين المسلمين:".. لا تغدروا ولا تغلوا ولا تقتلوا وليداً ولا امرأة ولا كبيراً فانياً ولا منعزلاً بصومعة ولا تقربوا نخلاً ولا تقطعوا شجراً ولا تهدموا بناءً"، إزاء هذا المنهج القويم في الكتاب والسنة ، ماذا تفعل هذه التنظيمات المتشددة بإسم الإسلام!! هل وُجِدت هذه البشاعة في ديننا عندما انتشر ووصل إلينا ؟! فأقلها نحن آمنا بهذا الدين العظيم بما حمله من عقائد وتعاليم نجزم أنها لو طبقت لعدنا الى مكانتنا في طلائع الأمم من حيث التقدم والإزدهار، أم  أن ما تقوم به التنظيمات الدينية المتشددة من أعمال بشعة مرده أنهم عجزوا عن التقدم والإبداع والإنخراط في المجتماعات المحلية حتى يشكلوا لبنات صالحة ضمن لبنات المجتمع الواحد على منهج الاسلام الحنيف الصحيح، وبدلاً عن التقدم بالمجتمع ذهبوا لتدميره أكثر مما هو عليه، كذلك تعطيل وإرجاع الأمم المتقدمة والتي تجاوزتنا ليس في علوماها وإبداعاتها واختراعتها وصناعاتها فحسب، بل في أخلاقها وكرامتها وإحترامها للحقوق والحريات والعدالة  التي أصابت حيوناتهم قبل إنسانهم.

ولذلك فإن قناعتي واحدة بأن الحاكم والحكومة والمسؤولين هم منّا ، لأنه " كما تكونوا يولى عليكم"، كما أن "الإناء ينضح بما فيه"، فمنا الحاكم والرئيس والنائب والوزير والمسؤول والمعلم والمهندس والطبيب والمزارع والراعي والخادم وغيرهم، ففسادنا وضعفنا يعني فسادهم وضعفهم، أما القول بأنا مغلوب على أمرنا ومسيرون من قبل الخارج، فهذا غير صحيح،  لأن واقعنا الضعيف يسمح بهذا الإختراق وبيئة خصبة لكل من له أطماع ومخططات لنهب الخيرات والثروات وتعطيل الإمكانات، لكن السؤال المعاكس هل لو كنّا أمة قوية متقدمة  بتماسك وتقدم أفرادها سيتجرأ علينا الأعداء وستنجح المخططات الخارجية مهما بلغت علينا، اقول وأنا واثق من ذلك لا طبعاً.

لقد قلت لأبني في تفسيري: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"، عليك بني دوراً ومسؤولية بأن تكون صالحاً وإيجابياً وان تتعلم وتبدع خدمة لمجتمعك وامتك العربية الإسلامية والعالم أجمع، عليك ان لا تنزوي وتهرب من المواجهة بإصلاح النفس وتطوير قدراتك وإبداعتك ، عليك أن تأثر بالآخرين بأخلاقك ودينك وعلومك وثقافتك البنّاءة وتعمل على إعمار الارض بالخير والمحبة والإحترام ولا تؤذي الآخرين ومن سالمك مهما إختلفت عنهم في العرق والدين ، وان ترد على من أعتدى عليك بدون وحشية او ظلم والعفو عن المقدرة لأن ذلك أكثر ثقة وقوة، عليك أن تتذكر دوماً معاملةً رسولنا الكريم الحسنة تجاه اليهودي الذي كان يسيء له ويضع القمامة أمام منزله وكيف عندما مرض هذا اليهودي زاره الرسول صلى الله عليه وسلم ليطمأن على صحته وأحواله، فالأذى نقابله بالإحسان، عليك ان تطبق حديث الرسول صلى الله عليه وسلم :" لا تكن كالإمعة ، إن أحسن الناس أحسنت ، وإن أساؤوا أسأت ، ولكن وطنوا أنفسكم ، إن أحسن الناس أن تحسنوا ، وإن أساؤوا ألا تظلموا "، عليك أن تتذكر أن أساس ديننا العظيم الأخلاق ، وان المولى عز وجل إمتدح الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الصفة وحدها لأهميتها وعظمتها لدى الخالق جل جلاله وفي العقيدة الإسلامية، فقال تعالى :" وانك لعلى خلق عظيم "، وقال الرسول الكريم :" إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" .

 عليك بني ان تدرك تماماً بأنه مهما صغر دورك وقلت مكانتك في المجتمع فربما أن لك تأثيراً كبيراً في صلاح المجتمع لا يعلمه إلا الله، وقد تشكل لبنى قوية تسند المجتمع والأمة والعالم أجمع، فلا تقلل من شأن ما تقوم به ، فعليك ان تعمل وتتوكل على الله في كل عملك .

يوسف ابوالشيح الزعبي

yousefaboalsheeh@hotmail.com

 التاريخ 9/11/2014

 

 



تعليقات القراء
لايوجد تعليقات على هذا الخبر
أضف تعليق
اضافة تعليق جديد

الحقول التي أمامها علامة * هي حقول لابد من ملأها بالبيانات المطلوبة.

:
:
:
 
أخر الأخبار
اقرأ أيضا
استفتاءات
كيف تتوقع نهاية الاحداث الجارية في قطاع غزة؟



تابعونا على الفيس بوك