لا مفاجآت في ما ترتكبه إسرائيل من جرائم في القدس المحتلة. فتهويد المدينة المقدسة غاية سعت إليها حتى قبل احتلالها في العام 1967. كل حكوماتها أعلنت القدس عاصمة أبدية لها. وكل إجراءاتها استهدفت طمس معالم القدس العربية الإسلامية والمسيحية.
لذلك لا يمكن النظر إلى الحملة الشرسة التي تشنها إسرائيل على القدس بوصفها تغييرا في سياستها. هي انعكاس لتقويمها لقدرتها على فرض تغييرات باتجاه تحقيق هدفها.
فاصطياد الفرص فعل أتقنته إسرائيل منذ قامت دولة لاشرعية على أرض ليست لها. عرفت متى تهادن ومتى تحارب. وتفوقت في الحروب العسكرية والسياسية والإعلامية.
في هذا السياق يأتي التصعيد الإسرائيلي في القدس. تنظر إسرائيل إلى العالم العربي فتجده في أضعف أحواله، ممزقا منهارا يدمره التخلف والانهيارات الحضارية. وتقوّم المشهد الدولي فتستنتج أنه أضعف من أن يردعها.
الفرصة إذن سانحة لها لفرض تغيير جديد للحقائق على الأرض. تستغلها في القدس وسط دعم غير محدود من مجتمع إسرائيلي أوغل في تطرفه وغروره وتوهمه أنه يستطيع أن يستمر في سياسات تشبع حقده على كل ما هو فلسطيني وعربي.
لكنها لن تستطيع تغيير كل الحقائق. وأهم هذه هي حقيقة أن الشعب الفلسطيني باقٍ، ينتظر فرصته لإنهاء ظلمها وكسر قيودها.
فإسرائيل تنعم بسلام منذ سنوات. أوهمها هذا أنها تستطيع العيش بأمان بينما يعاني الفلسطينيون القهر والقتل الممنهج، وأنها تستطيع أن تستبيح القدس بكل ما تمثله فلسطينيا وعربيا وإسلاميا ومسيحيا. لذلك بدأت ترتكب الأخطاء القاتلة.
أكبر هذه الاخطاء اعتقادها أنها ستمرر محاولتها سرقة هوية القدس وانتهاك مقدساتها من دون ثمن.
الثمن آتٍ.
ستطلق اعتداءاتها ردة فعل فلسطينية شعبية ستنهكها وستنهي ما عاشت من أمان حرمته الفلسطينيين. الانتفاضة توشك أن تنطلق. وهي حين تتفجر، ستكون فعلا ضروريا سيكسر وهم إسرائيل أنّ ما تعيش من سلم هو حال يمكن أن تدوم وسط المعاناة الفلسطينية.
يجب أن تعاني إسرائيل ولو جزءا مما يعانيه الفلسطينيون في وطنهم. لن يتراجع التطرف الإسرائيلي إلا إذا دفع الإسرائيليون ثمنا لجرائمهم. لن يوقفوا انتهاكاتهم للحقوق الفلسطينية ولن يسعوا للسلام إلا حين يفقدونه.
لذلك تبدو الانتفاضة سبيلا حتميا رغم كلفتها الإنسانية والمادية والبشرية والاقتصادية على شعب لم يعرف إلا المعاناة منذ سرقت إسرائيل وطنه.
وليس هناك من يطلب من العالم العربي مساندة عسكرية لانتفاضة محتملة. لكنه يستطيع دعم صمود الفلسطينيين اقتصاديا وسياسيا. آن وقت بلورة خطة دعم تثبّت الفلسطينيين على أرضهم وتحمي القدس ومقدساتها.
وكذلك لا بد من محاصرة إسرائيل سياسيا وقانونيا. يبذل الأردن جهدا مكثفا لتحقيق ذلك. لكنه لن يحقق المراد من دون إسناد عربي. لا يجوز أن يُطلَب منه أكثر من طاقته، ولا يجوز أن يترك وحده.
إسرائيل مستاءة من الجهود الأردنية، وخصوصا من جهود جلالة الملك وأثرها في بناء الضغوط الدولية عليها. لذلك ستعمل على إيذاء الأردن، الذي لم يتراجع يوما في موضوع القدس.
لن يتراجع الأردن الآن. وسيضع، كما أكد، جميع خياراته، بما فيها معاهدة السلام، على الطاولة لحماية القدس. لكن قبل استنفاد الخيارات الأخرى، لن يسهل مهمة إسرائيل إيذاءه عبر إلغاءٍ غير محسوب التوقيت والتبعات لمعاهدة السلام، التي يستفيد منها الأردن والفلسطينيون، حالياً، أكثر بكثير من إسرائيل.
ايمن الصفدي
الغد