المزيد
رسالة إلى مجهول

التاريخ : 01-11-2014 |  الوقت : 11:22:59

إليك يا مجهول.
كم كنت أتمنى أن تكشف عن نفسك وأنت ترفع الدعوى ضدي، بل ضد حرية الكلمة والتعبير، لكني لا أتمنى لك ذلك الآن، لما في الموقف من مهانة لك لا ترتضيها أخلاق المنتصر، سيما بعد أن نصّبت نفسك ضدا للحرية وندا لجرأة الكلمة والتعبير. 
وهنا لابد من القول إن تبرير قرار منع المحاكمة في القضية المرفوعة ضدي من المجهول على مقال انتقدت فيه أداء بعض النواب وعنوانه: "لقد مللنا العرض فأوقفوه"، لا يقل أهمية عن قرار المنع الذي أصدره المدعي العام.
فالقرار جاء عملاً بأحكام المادة 130/أ من قانون أصول المحاكمات الجزائية، والتفسير الذي بني عليه فيه انتصار كبير وحقيقي لحرية التعبير والنقد الموضوعي، الذي يبتعد عن اغتيال الشخصية، ويقترب من نبض الشارع، ويعبر عن هموم الناس.
القرار القضائي بمنع محاكمتي في القضية محترم، كونه أكد أن كل ما ورد في المقال يندرج تحت النقد المباح، الذي يهدف إلى تصويب الأداء وليس القصد منه انتقاد المؤسسة التشريعية أو أعضائها، معتبرا ما جاء في القرار يأتي في إطار حرية الرأي في عمل "الغد" كمؤسسة صحفية.
الرسالة الأبلغ من القرار أن السلطة القضائية انتصرت صراحة للسلطة الرابعة، وأكدت على دورها الرقابي على باقي المؤسسات، لتقدم دليلا جديدا على أن القضاء بخير، وأن لدينا قضاء موضوعيا ينتصر للحريات، ويضع حدا لأصحاب الرؤوس الحامية، الذين 
ما يزالون يظنون أن الوطن مفصّل على مقاسهم. 
على المستوى الشخصي، كان لديّ فضول كبير لمعرفة اسم الشخص الذي قدّم الشكوى بحقي، والذي جهّل نفسه بإرادته، إيمانا بحقي في معرفة خصمي، إلا أن تلك الرغبة تتضاءل عندما استعيد ردود الفعل الغاضبة من رفع القضية ضدي والتي دانت الفعل، ووقفت إلى جانب الحريات الصحفية، وإيمانها بالدور الذي تؤديه "الغد" والإعلاميون بتكريس حق الناس في المعرفة والتنوير.
لم يعد يهمني كثيرا معرفة المشتكي المجهول، فهو في النهاية خضع لمحاكمتين وتمت إدانته في كلتيهما؛ المحاكمة الأولى كانت شعبية وكانت محاكمة سياسية بامتياز؛ إذ تم استنكار الفعل من قبل شرائح واسعة من المراقبين والسياسيين ومؤسسات المجتمع المدني ومراكز حقوق الإنسان، وتضمنت دعما كبيرا لـ "الغد" عبر جميع وسائل التعبير المرئية والمكتوبة التقليدية والجديدة. 
أما الإدانة الثانية، فكانت بصدور القرار القضائي الذي أكده النائب العام، والذي رفض الشكوى والتهم المدرجة تحتها من عدم تحري الحقيقة خلافاً لأحكام المادة 5 من قانون المطبوعات، بالإضافة إلى تهمة عدم الموضوعية والتوازن خلافاً لأحكام المادة 7/ ج من قانون المطبوعات، وأخيرا تهمة ذم هيئة رسمية استناداً لأحكام المادة 191 من قانون العقوبات.
بالنتيجة، السحر انقلب على الساحر ومن كان يظن أن حرية الإعلام ليس لها أنصار، اكتشف عكس ذلك وتعلم درسا قاسيا، بأن أعداء الحرية سيهزمون، بل كان مهزوما منذ اللحظة الأولى عندما جبن في الكشف عن اسمه.
ليس لدي مشكلة في التوجه للقضاء فهو الفيصل بين الجميع، ودولة القانون والمؤسسات مبدأ لا يمكن التخلي عنه، فالمشكلة لم تكن في التوجه للقضاء، بل في محاولة الاختباء خلفه وجعله أداة لقتل الحريات والضغط على المؤسسات، وهو ما لم يتحقق له.
بعد أن أُغلق الملف وتحقق للحريات الصحفية إنصاف على يد القضاء، لا يسعني إلا أن أشكر كل من وقف إلى جانبي وانتصر للإعلام الموضوعي والمهني، وساند "الغد" في وجه المجهول الذي يخشى حتى من كشف هويته.
 ستبقى معركة الحريات مفتوحة.
فشكرا لكم، ودام الأردن والحريات الصحفية بخير، ولا عزاء للمجهول.

 

 

الغد



تعليقات القراء
لايوجد تعليقات على هذا الخبر
أضف تعليق
اضافة تعليق جديد

الحقول التي أمامها علامة * هي حقول لابد من ملأها بالبيانات المطلوبة.

:
:
:
 
أخر الأخبار
اقرأ أيضا
استفتاءات
كيف تتوقع نهاية الاحداث الجارية في قطاع غزة؟



تابعونا على الفيس بوك