|
الرئيسية >
ردا على قرار ديوان تفسير القوانين بعدم مشروعية إضراب المعلمين
![]() على الأغلب قرأ المهتمون قرار الديوان الخاص بتفسير القوانين رقم 6 لسنة 2014 الذي انتهى فيه إلى "أنّ إضراب المعلمين ألحق ضررا بمصلحة الطلبة وحقهم في التعليم وأنه أسلوبٌ غير مشروع في تبني مطالب المعلمين ويشكل مخالفة لأحكام قانون التربية والتعليم وقانون نقابة المعلمين ونظام الخدمة المدنية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية" . واستند القرار إلى عدد من النصوص القانونية منها المادة (68) من نظام الخدمة المدنية لسنة 2013 الفقرة التي تحظر على الموظف وتحت طائلة المسؤولية التأديبية "استغلال وظيفته لخدمة أغراض أو أهداف أو مصالح حزبية أو القيام أو الاشتراك في أي مظاهرة أو إضراب أو اعتصام أو التحريض عليها أو أي عمل يمس بأمـــن الدولة ومصالحها، أو يضر أو يعطل مصالح المواطنين والمجتمع والدولة". ولإعطاء القرار صيغة تتوافق مع حقوق الإنسان اشار القرار إلى المادة (8) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لسنة 1966 الذي نشر بالجريدة الرسمية بالعدد رقم (4764) تاريخ 15/6/2006 ويعد جزءا من التشريعات النافذة في المملكة وتنص على ما يلي : 1 – تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد بكفالة حق الإضراب شريطة ممارسته وفقا لقوانين البلد المعني. 2 – لا تحول هذه المادة دون إخضاع أفراد القوات المسلحة أو رجال الشرطة أو موظفي الإدارات الحكومية لقيود قانونية على ممارستهم لهذه الحقوق. وقال القرار إنه بالرجوع إلى الفقرة (ج) من المادة (68) من نظام الخدمة المدنية لسنة 2013 والتي حظرت على الموظفين الاشتراك في أي مظاهرة أو إضراب أو اعتصام، فإنّ مؤدى ذلك هو اعتبار هذه الفقرة جزءا من قانون نقابة المعلمين واجبة التطبيق والالتزام حكما، وحيث إنه وعلى ضوء ما سلف فإنه يتبين أن إضراب المعلمين قد وقع مخالفا لأحكام قانون نقابة المعلمين ونظام الخدمة المدنية ولم يرد أي تشريع ينظم أو يبيح أو يبرر ذلك ليصبح الإضراب مشروعا. وأكد القرار بأنّ ما ورد في المادة (8) بالعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لسنة 1966 والمصادق عليه من قبل الأردن والمنشور لاحقا بالجريدة الرسمية بالعدد رقم (4764) تاريخ 15/6/2006، إنّ حق الإضراب للنقابات مشروط بممارسته وفق قوانين البلد، وانّ من حق الدولة وضع القيود على ممارسة هذا الحق لموظفي الإدارات العامة مما يخرج إضراب المعلمين الذي وقع مخالفا للقوانين والأنظمة السارية سالفة الذكر والحالة هذه مخالفا للعهد الدولي، ولا يتمتع بما ورد بالعهد الدولي لعدم التزامه بقوانين الدولة. ويمكن تلخيص الأسباب التي استند إليها القرار بأن العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أقر حق الإضراب شريطة ممارسته وفقا لقوانين البلد المعني، ولا تحول هذه المادة دون إخضاع أفراد القوات المسلحة أو رجال الشرطة أو موظفي الإدارات الحكومية لقيود قانونية على ممارستهم لهذه الحقوق. وبما أن نظام الخدمة المدنية لسنة 2013 حظر على الموظفين الاشتراك في أي مظاهرة أو إضراب أو اعتصام، وأن قانون النقابة نص على الالتزام بنظام الخدمة المدني فيعني ذلك عدم مشروعية الإضراب. المحاججة قبل مناقشة القرار من ناحية قانونية وتفسير المعاهدات الدولية أود الإشارة إلى تقديري لمتخذي القرار – وخاصة د. نوفان العجارمة الذي استند إلى الميثاق في مناسبات أخرى- في الاستناد القرار إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية "والمصادق عليه من قبل الأردن والمنشور لاحقا بالجريدة الرسمية بالعدد رقم (4764) تاريخ 15/6/2006″ كما جاء في القرار. ومستخدما نفس الحجة التي استخدمتها الحكومة في طلب التفسير واستند اليها الديوان في قراره أشير إلى أنه نشر في نفس العدد من الجريدة الرسمية العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حيث تنص المادة 22 منه على ما يلي: 1 -لكل فرد حق في حرية تكوين الجمعيات مع آخرين، بما في ذلك حق إنشاء النقابات والانضمام إليها من أجل حماية مصالحه. 2 -لا يجوز أن يوضع من القيود على ممارسة هذا الحق إلا تلك التي ينص عليها القانون وتشكل تدابير ضرورية، في مجتمع ديمقراطي، لصيانة الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام أو حماية الصحة العامة أو الآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم. ولا تحول هذه المادة دون إخضاع أفراد القوات المسلحة ورجال الشرطة لقيود قانونية على ممارسة هذا الحق. ويستفاد من النص السابق أنه فقط يجوز "إخضاع أفراد القوات المسلحة ورجال الشرطة لقيود قانونية على ممارسة هذا الحق" ذلك أن عبارة "أو موظفي الإدارات الحكومية" الموجودة في نهاية المادة (8) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية غير موجودة في العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. بمعنى عدم جواز إخضاع الموظفين الآخرين كالمعلمين إلى قيود قانونية تمنعهم من حق الإضراب. وقد يثور التساؤل أيهما أولى بالتطبيق العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أم العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية؟. وقد أجاب على هذا التساؤل التعليق العام رقم 2 لعام 1990من لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الذي جاء فيه: "إن مجموعتي حقوق الإنسان لا تتجزآن ومترابطتان. وهذا يعني أنه ينبغي للجهود المبذولة لتعزيز إحدى مجموعتي الحقوق أن تأخذ في اعتبارها بالكامل المجموعة الأخرى أيضا. وينبغي لوكالات الأمم المتحدة المشاركة في تعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أن تبذل أقصى ما بوسعها لكي تكفل اتساق أنشطتها تماما مع التمتع بالحقوق المدنية والسياسية". أما لماذا تم تقسيم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلى عهدين أي اتفاقيتين دوليتين ملزمتين فتاريخيا كان ذلك بسبب انقسام العالم إلى معسكرين غبي يؤمن بالحقوق الفردية وشرقي يعطي الأولوية للحقوق الجماعية. كما أن التزام الدولة في العهد الأول (الحقوق المدنية والسياسية) هو التزام سلبي يكفي فيه عدم تدخلها إلا في أضيق الحدود ولا يكلفها أموالا، أما تحقيق العهد الثاني (الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية) فهو التزام ايجابي ويكلف اموالا على الدولة. وبعبارة أخرى تشمل هذه الالتزامات على حد سواء ما يمكن أن يسمى (تبعا لعمل لجنة القانون الدولي) التزامات بسلوك في الأول، والتزامات بتحقيق نتيجة في الثاني. ويتسم الالتزام القانوني بموجب الفقرة 1 من المادة 2 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بطابع سلبي وايجابي على السواء. إذ يجب على الدول الأطراف أن تمتنع عن انتهاك الحقوق المعترف بها في العهد، وأي تقييد لأي من تلك الحقوق يجب أن يكون جائزا بموجب الأحكام ذات الصلة المنصوص عليها في العهد. وعند فرض مثل هذه القيود، يجب على الدول أن تثبت ضرورتها وألا تتخذ من التدابير إلا ما كان متناسبا مع السعي إلى تحقيق أهداف مشروعة وذلك من أجل ضمان الحماية المستمرة والفعالة للحقوق المشمولة بالعهد. ولا يجوز بأي حال من الأحوال فرض القيود أو الاحتجاج بها بطريقة تمسّ جوهر أي حق من الحقوق المشمولة بالعهد. والعبارة الأخيرة هي جوهر ما تنص عليه المادة 128 من الدستور الأردني. كما يجب أن ينظر في المسائل المتصلة بتطبيق العهد على الصعيد المحلي في ضوء مبادئ القانون الدولي، والمبدأ الأول الذي تعكسه المادة 27 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات هو أنه "لا يجوز لأي طرف أن يحتج بأحكام قانونه الداخلي لتبرير عدم تنفيذه معاهدة ما". وبعبارة أخرى، ينبغي للدول أن تعدِّل النظام القانوني المحلي حسب الاقتضاء للوفاء بالتزاماتها التعاهدية. وجرى القضاء الأردني على إعلاء الاتفاقية الدولية على القانون الوطني في حال التعارض. وهناك أحكام عديدة لمحكمة التمييز تؤيد سمو الاتفاقية على القانون الوطني. ومن المسلّم به عموما أنه يجب تفسير القانون المحلي، قدر المستطاع، بطريقة تتماشى مع الالتزامات القانونية الدولية للدولة. وهكذا، عندما يواجه أي صاحب قرار محلي أمر الاختيار بين تفسير للقانون المحلي يجعل الدولة تخالف العهد وتفسير يمكّن الدولة من الامتثال للعهد، ينص القانون الدولي على اختيار التفسير الأخير. فإذا كان نظام الخدمة المدنية يمنع كليا حق الإضراب فذلك يتعارض مع التزامات الأردن الدولية. وكنقطة دفاع أخيرة اشير إلى أنه سبق لمحكمة أمن الدولة عليا طوارئ المصرية أن برأت 38 متهما من عمال السكك الحديدية اضربوا عن العمل بتاريخ 7/7/1986، واستندت المحكمة في تبرئة المتهمين العمال بكون مصر دولة طرف في العهد الدولى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية الذي ينص في المادة الثامنة منها على أنه “تتعهد الدول الأطراف في الاتفاقية الحالية بأن تكفل أ…. ب…. جـ…. د- الحق في الإضراب على أن يمارس طبقا لقوانين القطر المختص…إلخ. وقالت المحكمة ان هذا "النص قاطع الدلالة في أن على الدولة المنضمة للاتفاقية الالتزام بأن تكفل الحق في الإضراب بمعنى أنه صار معترفا به كحق مشروع من حيث المبدأ ولا يجوز العصف به كليا وتحريمه على الإطلاق والا فإن ذلك مصادرة كاملة للحق ذاته وما تملكه الدول المنضمة للاتفاقية لا يعدو أن يكون مجرد تنظيم ذلك الحق المقرر بحيث تنظيم التشريعات الداخلية طريقة ممارسة ذلك الحق وهناك فرق بين نشأة ووضع قيود على ممارسته، وعدم وضع تنظيم لذلك الحق لا يعنى على الإطلاق العصف به أو تأجيله لحين وضع تلك النظم والا لاستطاعت أية دولة التحلل من التزامها بعد وضع تنظيم لممارسة ذلك الحق. ولما كان الإضراب لغة وقانونا هو الامتناع الجماعي المتفق عليه بين مجموعة من العاملين عن العمل لفترة مؤقتة لممارسة الضغط للاستجابة لمطالبهم فإن الواضح من هذين النصين وجود تعارض بين التشريع الداخلي والاتفاقية المذكورة مما يتعين بحث أيهما الأجدر بالتطبيق، لذلك ينبغى أولا معرفة القوة التي تتمتع بها القاعدة الاتفاقية الدولية في مواجهة القاعدة التشريعية العادية وهل تعتبر في نفس مرتبة التشريع باعتبار أن كليهما صادر من السلطة صاحبة السيادة في الدولة، أم إنه يجب اعتبار المعاهدة تحمل وزنا أكبر من التشريع الداخلي إذ أنها تتضمن في الوقت ذاته التزام الدولة قبل الدول الأخرى الأطراف في المعاهدة باتباع القاعدة في حين أن الدولة لا يقع عليها أي التزام دولي بالأخذ بالقاعدة التشريعية إلا أن هذا الاعتبار لا يمكن الاستناد إليه في المجال الداخلي لتفضيل القاعدة التي تقضي بها المعاهدة على القاعدة التشريعية، فمسؤولية الدولة في المجال الدولي شيء وقيام القضاء الداخلي بتطبيق المعاهدة شيء آخر فالقاضي الوطني لا يطبق المعاهدة تأسيسا على أن دولته قد التزمت دوليا بتطبيقها بل يطبقها باعتبارها جزءا من قوانين الدولة الداخلية إذا ما تم استيفاؤها للشروط اللازمة لنفاذها داخل الإقليم. وحيث إنه بالنسبة لتهمة تعطيل سير القطارات والإضرار العمدي بأموال ومصالح الهيئة القومية لسكك حديد مصر فإنه من المقرر فقها وقضاء بأنه متى قرر الشارع حقا اقتضى ذلك حتما إباحة الوسيلة إلى استعماله أي إباحة الأفعال التي تستهدف الاستعمال المشروع للحق وكذلك النتائج المترتبة على هذا الاستعمال سواء للحصول على ما يتضمنه من مزايا أو لمباشرة ما يخوله من قواعد القانون إذ يصدم المنطق أن يقرر الشارع حقا ثم يعاقب على الأفعال التي يستعمل بها فيكون معنى ذلك التناقض بين قواعد القانون وتجريد الحق من كل قيمة. وقد نصت على ذلك المادة 60 من قانون العقوبات فجرى نصها على أنه:”لا تسري أحكام قانون العقوبات على كل فعل ارتكب بنية سليمة عملا بحق مقرر بمقتضى الشريعة”. وقد جاءت هذه المادة تأكيدا لما جاء بالمادة السابعة من قانون العقوبات – التي تقرر أنه “لا تخل أحكام هذا القانون في أي حال من الأحوال بالحقوق الشخصية المقررة في الشريعة الغراء”. ومكررة ذلك الاعتراف بتلك الحقوق ومضيفة إليه اعترافا بالحقوق التي يقررها التشريع الوضعي بصفة عامة فقد رأى المشرع أن يوسع من نطاق المادة السابعة فجعله شاملا كل الحقوق التي يعد استعمالها سببا للإباحة حتى يكون مقررا للقاعدة العامة في هذا الشأن وهو أمر يتفق مع المنطق وفلسفة القانون فإذا أباح المشرع فعلا من الأفعال فمن غير المقبول أن يحاسب بعد ذلك على ما قد يحدث نتيجة لهذا الفعل. انتهى قرار المحكة المصرية. وهكذا يتضح أن حق المعلمين في الإضراب هو حق مشروع مثلهم مثل أي فئة أخرى من المواطنين، وبما أن نظام الخدمة المدنية يمنع كليا الإضراب فهو نص غير دستوري ومع ذلك فيجوز تنظيم حق الإضراب مثل ضرورة قيام النقابة بإعطاء مهلة زمنية للوزارة قبل تقرير حق الإضراب كما هو في قانون العمل. وأخيرا إذا قامت وزارة التربية بإحالة معلم أو أكثر للجنة تأديبية بسبب الإضراب وأوقعت عليه عقوبة تأديبية فأنصح بأن يطعن فورا بقرار مصدر القرار التأديبي أمام محكمة العدل العليا والدفع بعدم دستورية المادة 68 من نظام الخدمة المدنية والمواد ذات العلاقة بقانون النقابة والطلب بإحالة الدفع إلى المحكمة الدستورية. ولا أتصور أن تقوم الوزارة بايقاع عقوبة تأديبية على أعضاء النقابة أو اي معلم نظرا لخطورة الأمر واحتمالية أن تقرر المحكمة الدستورية شرعية الإضراب فتكون الأمور قد فلتت تماما من يد الوزارة والحكومة. وكالة كل العرب الاخبارية تعليقات القراء
أضف تعليق
اضافة تعليق جديد
|
أخر الأخبار
اقرأ أيضا
استفتاءات
تابعونا على الفيس بوك
|