المزيد
ما أكبــر فلسطيــن… وما أصغر اسرائيل

التاريخ : 12-08-2014 |  الوقت : 07:45:28

دخلت اسرائيل الحرب، وشنت عدوانها الاجرامي على قطاع غزة، وفي ذهنها اربعة أهداف، أخفت معظمها.

الهدف الاول الذي تورط يوفال شتاينتس وزير الاستخبارات والشؤون الاستراتيجية الاسرائيلي باعلانه، كان اعادة احتلال غزة بالكامل واقتلاع وتدمير المقاومة فيها، والبقاء فيها حتى يتسنى لهم ايجاد بديل لادارتها.

وهذا الهدف فشل بالكامل وبشكل مهين بسبب بطولة وبسالة ووعي وحسن أداء وتخطيط المقاومة الباسلة، وأدرك نتنياهو وحكومته أن الثمن الباهظ الذي ينتظرهم من الخسائر البشرية المدنية ومن جيشهم أكثر مما يستطيعون احتماله.

الهدف الثاني، كان محاولة كسر ارادة الشعب الفلسطيني السياسية، بهدف تمرير مشروعات تصفية القضية الفلسطينية، فأصبحت الارادة السياسية الفلسطينية أقوى وأشد صلابة وعزما، وانتقلت الضفة الغربية بما فيها القدس الى حالة انتفاضة شعبية شاملة مبددة كل التخريب والتدجين والتضليل الذي سعى اليه المحتلون والدول التي تدعمهم تحت شعارات كاذبة مثل السلام الاقتصادي وتحسين أحوال المعيشة، فانضوى جيل جديد بكامله في ساحة النضال الوطني، مستعيدا قيم النضال والكفاح والانتفاضة الشعبية الاولى.

وحققت حركة مقاطعة البضائع الاسرائيلية الشاملة في الضفة الغربية ذروة لم يتصورها أحد، حارمة اسرائيل من أرباح مليارات الدولارات.

وكان الهدف الثالث، المعلن تحطيم ما تحقق من مصالحة وطنية، فأصبحت وحدة الشعب الفلسطيني بكل مكوناته أصلب من أي وقت مضى، فتوحدت القوى الفلسطينية في وفد موحد، ممزقة مخططات اسرائيل، لدق اسفين يعزز الانقسام الداخلي.

وقد صنعت غزة وشعبها وبسالتها وصمودها ومقاومتها معجزة أعادت توحيد مكونات الشعب الفلسطيني الذي استعاد الهدف الوطني الجامع المشترك، بعد أن كان قد تبدد بعد اتفاق أوسلو ونتائجه.

فظهرت معالم وحدة الفلسطينيين من أراضي 1948 والضفة بما فيها القدس والشتات في هبّة نصرة واسناد غير مسبوقة لغزة ومقاومتها الباسلة.

أما الهدف الرابع، فكان محاولة فك العزلة الدولية عن سياسة حكومة اسرائيل، وبرغم نجاح اسرائيل في تضليل الاعلام العالمي في الاسبوعين الاولين وبرغم المواقف المخزية لاوباما وميركل وبان كي مون بأن من حق اسرائيل الدفاع عن النفس من دون ذكر حق الشعب الفلسطيني في الدفاع عن نفسه، وهو تحت الاحتلال والقمع، فقد انقلب السحر على الساحر، وغدت اسرائيل اليوم الدولة المكروهة الاولى في العالم، وتصاعدت حركة التضامن مع فلسطين ومقاطعة اسرائيل وفرض العقوبات عليها، وشهدت عواصم العالم مظاهرات تأييد غير مسبوقة في تاريخ القضية الفلسطينية.

الشيء الوحيد الذي نجحت فيه اسرائيل هو البطش بالمدنيين والممتلكات، فسقط أكثر من "1900″ شهيد وشهيدة معظمهم مدنيين بينهم "450″ طفلا وسقط عشرة الاف جريح وجريحة، وارتكبت اسرائيل أبشع جرائم الحرب ضد الانسانية، فدمرت مدنا وأحياء بكاملها كالشجاعية وخزاعة وأحياء في رفح وخانيونس والشوكة وغيرها، فهجرت أكثر من "500 الف" مواطن من منازلهم ودمرت جزئيا أو كليا "عشرين الف" بيت ومسجد وعيادة ومؤسسة.

لا توجد صورة ولا كاميرا ولا وسيلة اعلام قادرة على التقاط ما تلتقطه العين البشرية من دمار في الشجاعية وخزاعة وبيت حانون.

ولم ير العالم حتى في الحرب العالمية الثانية هذا الدمار الذي حل في بقعة صغيرة محددة كقطاع غزة، وللمقارنة فقط نذكر أنه لو كان عدد سكان غزة مماثلا لعدد سكان الولايات المتحدة لكنا نتحدث عن أكثر من "300,000″ قتيل ومليون ونصف المليون جريح.

في أحداث 11 سبتمبر فقدت الولايات المتحدة أربعة الاف قتيل، وشنت نتيجة ذلك عددا لا يحصى من الحروب، فماذا كانت ستفعل لو سقط منها 300,000 قتيل في شهر واحد ؟؟!!

ومع ذلك لا يجد الرئيس الامريكي وأعضاء الكونجرس القدرة على اخفاء انحيازهم السافر لاسرائيل المعتدية فيحرمّون على الشعب الفلسطيني حق الدفاع عن النفس ولو بوسائل تعتبر بدائية المقارنة مع آلة الحرب الاسرائيلية.

ومن حق كل فلسطيني أن يفخر بانجازين حققتهما المقاومة الباسلة، أولا؛ انتصار العقل الفلسطيني بالعلم والتخطيط والاستراتيجية برغم ضعف الامكانات ولذلك لم تكن مصادفة أن تشن طائرات اسرائيل غارات انتقامية على الجامعات والمدارس، وثانيا؛ اخلاقية المقاومة التي امتنعت عن المس بالمدنيين، فكانت المفارقة صارخة بين حقيقة أن "65″ من القتلى الاسرائيليين السبعة والستين كانوا جنودا وضباطا قتلوا في غزة أثناء اعتدائهم عليها ودخلوهم أراضيها معتدين، وبيّن حقيقة أن 80 % من الشهداء الفلسطينيين كانوا مدنيين، أطفالا ونساء، تعمدت اسرائيل وجيشها قتلهم والتنكيل بهم مع سبق الاصرار والترصد.

لا توجد كلمات توصف معاناة الشعب الفلسطيني، على مدار 65 عاما من النكبة، كما لا أملك الكلمات التي تستطيع وصف ما رأيناه من ظلم ومعاناة انسانية، أثناء تجوالي في أحياء وشوارع ومدن قطاع غزة ومشافيه.

بماذا أصف حالة المرأة التي قابلتها وعمرها ثمانون عاما وهي تحتضن حفيدتها البالغة ثلاثة عشر عاما عندما قالت لي: لقد كان عمري من عمر حفيدتي عندما أجبرونا على الهجرة من بئر السبع الى غزة عام 1948، واليوم يهجروننا مرة أخرى من بيت هجرتنا؟

وبماذا أصف حالة ذلك الشيخ المسن البالغ 82 عاما قضاها في بناء بيت من أربعة طبقات، وعائلة من 28 فردا من أبناء وبنات وأحفاد، لتدمر طائرات اسرائيل في دقيقتين بيته فتقتل زوجته وكل أبنائه وبناته واحفاده وحفيداته الثمانية والعشرين؟

وبماذا أصف حالة الاختين "لينا" ابنة الاربعة اشهر واميرة ابنة السنتين اللتين ترقدان في المستشفى مصابتين بالكسور والحروق بعد أن فقدتا والدهما ووالدتهما وأقربائهما؟!! وكيف أشرح عمق صلابة وصمود الفلسطينيين والفلسطينيات اللواتي بادرت ثلاثة منهن بالاجابة على تساؤلي: من سيرعى هاتين الاختين؟ بالقول: كلنا اهلهما، وكل واحدة من الثلاث نساء كانت مع ابن او ابنة جريحة مصابة في المستشفى واحداهن فقدت ابنتها في قصف اسرائيلي؟؟!

كيف يمكن لنتنياهو وزبانيته المجرمين ان يفهموا سر عظمة وقوة واصرار الفلسطيني العنيد على الحرية والكرامة والتضامن والتكاتف والانسانية ؟؟

لن يفهموا، فهم غرباء على قيم الانسانية ولا تحكمهم الا النزعات العدوانية والشر والعنصرية البغيضة العاجزة عن رؤية الفلسطيني كانسان متساو مع كل البشر في الحقوق والواجبات.

لذلك، يجب ان يساقوا الى محكمة الجنايات الدولية ويجب ان يحاكموا على جرائمهم ضد الانسانية ويجب أن تزال عنهم مرة والى الابد تلك الحصانة اللئيمة التي تجعلهم مجرمين فوق القانون الدولي.

ستكبر لينا وأميرة وكل أبناء وبنات الشهداء وسيعيدون بناء ما فقده شيخنا الجليل ابن الثمانين عاما.

ومن حقنا… أن نفتخر باننا ننتمي لفلسطين.

*الامين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية ورئيس جمعية الاغاثة الطبية الفلسطينية.

مصطفى البرغوثي



تعليقات القراء
لايوجد تعليقات على هذا الخبر
أضف تعليق
اضافة تعليق جديد

الحقول التي أمامها علامة * هي حقول لابد من ملأها بالبيانات المطلوبة.

:
:
:
 
أخر الأخبار
اقرأ أيضا
استفتاءات
كيف تتوقع نهاية الاحداث الجارية في قطاع غزة؟



تابعونا على الفيس بوك