تعد زيارة سمو الشيخ صباح الاحمد الجابر الصباح الى ايران تاريخية ، وذلك لعدة اسباب اولها انها الزيارة الاولى لامير كويتي الى ايران منذ الثورة الايرانية عام 1979 ، وثاني تلك الاسباب لكون الشيخ صباح الاحمد يحمل الى جانبه صفته الكويتية ، صفة رئيس القمة الخليجية ، و صفة رئيس القمة العربية ، وهو ما يعني انه ذهب الى طهران متحدثا باسم دول الخليج والدول العربية ، اما العامل الثالث لتاريخية الزيارة ان سمو الشيخ يحمل صفة اقدم واعرق دبلوماسي على مستوى العالم ، وهو صاحب تجربة طويلة بدأها بتوليه حقيبة الخارجية في ثاني حكومة تشكلت في الكويت بعد الاستقلال عام 1963 الى ان تولى الحكم في 29 يناير 2006 ، فزيارة لمسؤول عربي بهذا الحجم وبهذه الخبرة لبلد « اشكالي « مثل ايران اعطى الزيارة زخما غير مسبوق وزاد من منسوب التوقعات الايجابية التى يمكن ان تتمخض عنها الزيارة.
من المبادئ التى يؤمن بها الشيخ صباح الاحمد ان « الحوار « هو الوسيلة المثلى لحل الخلافات بين الدول وليست اية وسيلة اخرى ، كما انه يؤمن بحكم تجربته الطويلة ان الاقتصاد هو « الصدر الحنون للسياسة « ، وما « تفرقه السياسة يقربه الاقتصاد» ، ومن هنا ركز خلال الزيارة وفي اطار تمتين العلاقات الكويتية – الايرانية على البعد الاقتصادي حيث وقعت اتفاقية لاستيراد الغاز الايراني للكويت لتشغيل محطات توليد الكهرباء هذا بالاضافة لتوقيع اتفاقيات في مجال السياحة والجمارك لتسهيل تنقل البضائع والسلع بين البلدين.
ولكن من الواضح ان امير الكويت لم يغفل الملف الاهم وهو كسر الجمود في العلاقات بين دول الخليج وايران وبخاصة السعودية ، وهو صاحب فكرة المبادرة السعودية بدعوة وزير الخارجية الايراني جواد ظريف للتشاور والحوار وهي الدعوة التى ساهمت باسناد وتدعيم مساعيه في خلق اجواء جديدة بين ايران والدول الخليجية.
من الصعب القول ان الزيارة انهت الخلافات المتراكمة منذ عقد تقريبا بين طهران من جهة والسعودية والامارات والبحرين من جهة ثانية ، لكن يمكننا القول ان سمو امير الكويت نجح في انشاء حاضنة من الحوار الجدي يمكن لها وبالتدريج وبهدوء من « حلحلة « المشكلات بين الطرفين ، ويمكنها المساهمة في « تجميد « الخلافات في القضايا الساخنة جدا كالملف السوري والاتفاق على الية دائمة « لتفريغ الخلافات المستجدة مستقبلا اولا باول «
بالتاكيد كان الشيخ صباح الاحمد يدرك حجم الخلافات المتراكمة بدءا من التدخل الايراني في الشؤون الداخلية للدول الخليجية بحجة « الدفاع عن الشيعة « مرورا بالخلاف التاريخي مع الامارات بسبب الجزر الثلاث وكذلك الدعم الايراني للحوثيين في اليمن واثره المباشر على الامن الداخلي السعودي وصولا الى القمة في الخلاف في الموضوع السوري والموضوع النووي ، ولذلك كان اقتراحه للرياض بتوجيه دعوة لوزير الخارجية الايراني ليكون الحوار مباشر بين الطرفين ، وهي خطوة بحد ذاتها تشكل ما يمكن تسميته « وقف التدهور في العلاقات « وبداية « لبناء الثقة « شبه المعدومة بين القطبين في الخليج العربي ، السعودية وايران.
النجاح في هذا الملف ليس مستحيلا رغم تعقيداته ، وفي التاريخ القريب نجح البلدان السعودية وايران في بداية الالفية وتحديدا بعد احداث 11 سبتمبر 2001 من التوصل الى اتفاقية امنية بشان الخليج برمته ، وساهم في انجاح تلك الخطوة « الغطرسة الاميركية « التى مورست ضد السعودية بسبب تورط سعوديين في التفجيرات وكذلك الغطرسة ضد ايران ، الا ان احتلال العراق وسقوط نظام صدام في ابريل 2003 ، وتنامي القوة الايرانية في عراق ما بعد صدام بتخطيط اميركي مازال غير مفهوم الاسباب الى الان ، اعاد من جديد التنافس الايراني – السعودي الذي تحول الى خلاف عميق.
زيارة سمو امير الكويت لايران اقل ما يقال فيها انها رحلة من اجل « علاج « الخلاف المستشري في الجسد الخليجي الايراني بعد سنوات طويلة من الاهمال لهذا الخلاف الذي اصبح مرشحا لان يتحول الى حالة من الصدام والخطر الفعلي... فهي بداية مهمة للغاية.
الرأي