انفرجت أزمة السفير الأردني المختطف فواز العيطان، وعاد سالما إلى وطنه وعائلته. هذا أمر في غاية الأهمية، وكان أولوية في ما بُذل من جهود طوال الأسابيع التي مضت على اختطافه في ليبيا.
لم يكن من المناسب الحديث عمن يتحمل المسؤولية بينما السفير ما يزال مختطفا، لأن ذلك يُضر بقضيته، ويُضعف من وحدة الموقف الداخلي في مواجهة الأزمة. لكن الآن، وبعد الإفراج عن العيطان، ربما تكون لحظة المساءلة قد حانت.
لقد انطوت صفقة التبادل التي جرت، وبموجبها أفرج عن العيطان مقابل ترحيل سجين ينتمي إلى تنظيم القاعدة ومحكوم بجرم التخطيط لعمل إرهابي، على تنازل مؤلم لم يسبق للأردن أن قدمه لجماعة إرهابية. صحيح أن السجين محمد الدرسي نُقل إلى طرابلس ليمضي مدة محكوميته هناك، وهو في حالة صحية صعبة كما يقال، لكن في المحصلة الأردن رضخ لشروط الخاطفين، ولم يكن أمامه من خيار كما يبدو. وهذه سابقة ربما تغري "القاعدة" باللجوء إلى نفس الأسلوب في المستقبل لتخليص معتقليها في الأردن، سواء كانوا أردنيين أو عربا.
كان مقتل السفير الأميركي في بنغازي في وقت مبكر، علامة على تدهور الأوضاع في ليبيا، وعدم وجود أي ضمانات لحماية حياة البعثات الدبلوماسية. أكدت التطورات اللاحقة صحة هذا التقييم؛ فقد تعرض دبلوماسيون وأجانب لعمليات اختطاف في طرابلس. ومع ذلك، لم يفكر الجانب الأردني في سحب سفيره من هناك.
تتضارب التقارير والمعلومات حيال هذه المسألة. إذ تفيد المصادر أن وزارة الخارجية عمّمت على بعثاتها الدبلوماسية في الخارج، بما فيها بعثة ليبيا، بضرورة أخذ أقصى درجات الحيطة والحذر، فقط قبل أيام قليلة من اختطاف السفير العيطان. كان هذا التحذير بناء على معلومات استخبارية، تؤكد وجود مخطط لاستهداف دبلوماسيين أردنيين في الخارج.
قبل هذا التحذير بفترة، تشير تقارير مؤكدة إلى أن القوات المسلحة الأردنية سحبت بعثة عسكرية لها كانت موجودة في طرابلس في إطار برامج تعاون بين البلدين، بناء على تقييم استخباري بوجود مخاطر أمنية تهدد حياة أفرادها. اللافت أن ذات التقارير أشارت إلى أن السفير العيطان تحفّظ في ذلك الوقت على هذا التقييم، ولم يجد مبررا قويا لقرار سحب البعثة العسكرية.
والسؤال: هل كان من المناسب أيضا أن تتجاهل وزارة الخارجية التقييم العسكري وتشاطر العيطان رأيه، وهي تعلم بالتفصيل مستوى التدهور الأمني في ليبيا؟
لقد غادر السفير الأردني في دمشق مكان عمله في ظروف أمنية أقل خطورة من الظروف الحالية في طرابلس، خوفا على حياته، فلماذا لم يطلب من العيطان رسميا فعل الشيء ذاته قبل أن تقع الواقعة؟
كان قبول العيطان العمل في طرابلس شجاعة تُحسب له، وتضحية من أجل مصالح بلده. لكن ربما كان قرار إرسال السفير خطوة مستعجلة، واستمراره في العمل هناك رغم تدهور الأوضاع الأمنية قرارا خاطئا، كان بالإمكان تصويبه قبل أن نضطر إلى تقديم تنازل مؤلم لتنظيم القاعدة. فمن يتحمل كلفة هذا التنازل؟
الغد