دعا محافظ البنك المركزي الأردني، الدكتور زياد فريز، إلى التركيز في برامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي على الأثر النوعي، خاصة فيما يتعلق بالأثر بعيد المدى للنمو الشامل لحماية الفئات الأكثر ضعفا في المجتمع.
وشدد فريز، خلال افتتاحه أمس "مؤتمر بناء المستقبل: الوظائف والنمو والمساواة في العالم العربي"، الذي تنظمه الحكومة وصندوق النقد العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي وصندوق النقد العربي، بمشاركة أكثر من 200 من وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية، على أهمية الاستفادة من دروس الأزمة العالمية والتطورات في دول التحول العربي، ليصار الى التركيز في الإصلاحات، ليس فقط على الأثر الكمي للإصلاحات (على أهميته) ولكن على الأثر النوعي، خاصةً فيما يتعلق بالأثر بعيد المدى على النمو الشامل وحماية الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع.
ولفت الى أن صندوق النقد الدولي لعب دوراً بارزاً في دعم الاستقرار الاقتصادي وتقديم النصح على مستوى السياسات الاقتصادية، وكذلك الدعم المالي والفني لتحقيق أهداف السياسات الاقتصادية لدول المنطقة.
وقال فريز "إن اللقاء في عمان يأتي بعد حوالي ست سنوات منذ بدء الأزمة المالية العالمية ومرور ثلاث سنوات من بدء الربيع العربي وما رافقه من تحولات سياسية واقتصادية ضاعفت من المشكلات الاقتصادية التي كانت بلداننا العربية تعاني منها تاريخيا كانخفاض معدل المشاركة في النشاط الاقتصادي وتزايد معدلات البطالة، خصوصاً بين فئة الشباب، هذا إلى جانب ارتفاع المديونية وتزايد أعبائها في الدول غير النفطية، وذلك في ظل زيادة الاختلالات المالية الداخلية والخارجية التي أفرزتها الأزمة المالية العالمية والتطورات الإقليمية والمتمثلة بارتفاع العجز في الموازنات الحكومية وارتفاع نسبة الدعم فيها، وكذلك العجز في الحساب الجاري".
وبين أن "حالة عدم اليقين المرتبطة بالأوضاع الاقتصادية والسياسية أثرت في ثقة المستثمرين باقتصاداتنا وساهمت في تراجع التدفقات الاستثمارية وفي ارتفاع كلف التمويل وإمكانية الحصول عليه، الأمر الذي انعكس على تراجع معدلات النمو الاقتصادي وفاقم من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية في دولنا".
وأشار إلى أن معدلات النمو المرتفعة التي سجلتها دول المنطقة في الفترة التي سبقت مرحلة الربيع العربي في معالجة مشاكل البطالة والفقر بصورة فعالة، الأمر الذي يؤشر الى أهمية نوعية النمو وشموليته لكافة قطاعات الاقتصاد ومختلف المناطق في الدولة الواحدة لمعالجة هذه المشاكل.
وبالرغم من البدء بالعديد من الإصلاحات السياسية والاقتصادية في دول التحول العربي إلا أنها وحتى الآن لم تستطع تجاوز هذه الصعوبات، وخاصة تلك المتعلقة بتوفير فرص العمل الكافية لتخفيض معدلات البطالة.
وشدد فريز على ضرورة تركيز هذه الإصلاحات على معالجة الاستقرار الكلي والحاجات الآنية وافتقارها لرؤية واضحة لمعالجة الاختلالات الهيكلية التي حالت دون تحقيق معدلات نمو كافية لمعالجة مشاكل الفقر والبطالة، بالإضافة إلى غياب الأفق السياسي الواضح وعجز الإصلاح السياسي في تحفيز مشاركة جميع فئات المجتمع في عملية صنع القرار والمساهمة في وضع الآليات المناسبة لتنفيذه، وخاصة الشباب، الذين عانوا على مدار سنوات طويلة من إهمال وتهميش كبيرين حدّا من فرصهم في التعبير عن آرائهم ومشاركتهم في الحياة السياسية ومن مساهمتهم في التنمية الاقتصادية والتخطيط لها وفي جني مكتسباتها.
وقال "إن مواجهة التحديات السابقة تتطلب قيام دول المنطقة بإصلاحات تتجاوز سياسات الطلب إلى إصلاحات هيكلية تركز على جانب العرض الكلي يتحقق معها النمو الاقتصادي الشامل بشكل أقوى في القطاعات الأكثر توليداً لفرص العمل وتغطي شرائح أوسع من السكان، بحيث تهدف إلى تحسين مناخ الأعمال وإصلاح سوق العمل ونظم التعليم ومخرجاته لتتوافق مع المهارات التي يتطلبها سوق العمل، خاصة في القطاع الخاص، وتعزيز فرص الحصول على التمويل بالإضافة إلى تعزيز التكامل التجاري بين دول المنطقة".
ولفت الى أن التحديث والتطوير لمختلف المجالات "عملية مستمرة يفرضها علينا التغير المتسارع الذي نشهده في هذا العالم، مما يحتم علينا كصانعي سياسات من إعادة ترتيب الأولويات وصياغة السياسات بما يتوافق والواقع الذي نعيش".
وتابع فريز قائلا: "نحن في الأردن تبنينا مفهوم الإصلاح الشامل المتزن والمتدرج والذي يحافظ على الاستقرار الاقتصادي والسلم المجتمعي ويبني على ما تم إنجازه".
وأشار إلى أن الإصلاح شهد في الجانب السياسي مراجعة شاملة حظيت بمشاركة جميع الأطياف ومكونات الشعب الأردني انبثقت عنها تعديلات دستورية وتشريعية مهمة، وإقامة بعض المؤسسات الناظمة للعمل السياسي والهادفة لتعميق العمل الديمقراطي المسؤول، كما تم إجراء الانتخابات النيابية والبلدية بأعلى درجات النزاهة والنجاح.
وحول الإصلاح الاقتصادي، قال: "تبنينا برنامجاً اقتصادياً وطنياً متكاملاً يعالج الاختلالات الخارجية والداخلية بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، وقد استطاعت الحكومة وبالرغم من التحديات والصعوبات التي فرضتها التحولات في المنطقة والأزمة المالية العالمية تطبيق العديد من الإصلاحات التي حققت نتائج مهمة في تعزيز الاستقرار الكلي وتحفيز النمو". وأشار الى أن الحكومة قطعت خطوات مهمة في مواجهة عجز مالية الحكومة والدعم من خلال العودة إلى آلية السوق وتوجيه الدعم نحو مستحقيه، وتبني استراتيجية شاملة لمعالجة خسائر شركة الكهرباء الوطنية وتنويع مصادر الطاقة وزيادة كفاءتها، وتم ضبط الإنفاق العام وتعظيم الإيرادات بما يخفض اختلال الوضع المالي وإعادته إلى مستويات قابلة للاستمرار.
من جهته، قال المدير العام للصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، عبداللطيف يوسف الحمد، إنه منذ بدء موجة انتفاضات الربيع العربي في المنطقة العربية حدثت تغييرات جذرية في كل دول المنطقة.
منها التغييرات الإيجابية؛ تمثلت أساسا في إدراك الشعوب العربية بحتمية إرساء مقومات المجتمعات الديمقراطية وضمان الحريات السياسية وتكافؤ الفرص وتحقيق العدالة في توزيع ثمار التنمية.
وفي المقابل، فإن الآثار السلبية تتمثل أساسا في زيادة عدم الاستقرار السياسي واستفحال المشاكل الأمنية وذلك لغياب الديمقراطية لسنوات طويلة. كما أن تفكك أحزاب المعارضة التقليدية نتيجة سنوات من القمع والتشتيت أدى في عديد من الأحيان إلى عدم التوافق والالتفاف حول المصلحة الوطنية العليا، مما ساعد في ظهور التطرف والنزعات القبلية والطائفية، وبالتالي في تعميق حالة عدم الاستقرر التي تعيشها حاليا كل المنطقة العربية، وهذه تشكل تحديا كبيرا في المستقبل المنظور حيث إنها تعيق الانتعاش وتضاعف من وقع التحديات التنموية.
وبين أن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية تدهورت وتراجع أداء الاقتصاد الكلي، ونشير في هذا الخصوص مثلا إلى أن متوسط البطالة للمنطقة ككل ارتفع من حوالي 14.6 % في العام 2010 إلى حوالي 17 % أخيرا، وهي من أعلى معدلات البطالة بالمقارنة مع المناطق الأخرى في العالم، وخاصة تركيزها بين الشباب المتعلم الباحث عن العمل لأول مرة.
ولعل أهم التحديات المباشرة حاليا أمام الدول العربية، وفق الحمد، معالجة القضايا الأمنية من حالة عدم اليقين السياسي والحفاظ على التوازنات الاقتصادية الكلية، وهذه تتطلب تنفيذ إصلاحات سياسية واقتصادية جريئة ووضوح رؤية لدى صانعي القرار على مستوى سلم أولويات الأهداف التنموية في ظل التحديات.
ووفق الحمد، فإنه في المقابل، فإن هناك أيضا دورا للمجتمع الدولي في إنجاح تلك المراحل الانتقالية دون انتظار اكتمال عمليات الإصلاح للتدخل؛ حيث إن تأخر الدعم ربما يقود إلى الانتكاسة والرجوع عن الإصلاح تحت وطأة الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة.
وبين أنه لعل من أهم وسائل تحقيق التنمية المستدامة والشاملة هي النهوض بنوعية التعليم والتدريب وتحسين ربطه باحتياجات أسواق العمل وتشجيع القطاع الخاص على خلق فرص العمل وتوفير ذلك للشرائح المهمشة في المجتمع، وخاصة النساء والشباب، وفي هذا السياق فإن دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة يمثل وسيلة مهمة لتوفير ذلك خصوصا وأن حصتها حاليا لا تتعدى ثلث الناتج المحلي الإجمالي وثلث العمالة في القطاع الخاص وبالتالي هناك مجال واسع لزيادة تلك الحصص.
وأضاف أنه منذ أن أوكل للصندوق العربي إدارة الحساب الخاص للمشروعات الصغيرة والمتوسطة في الدول العربية والتي بدأت عملياته الإقراضية العام 2012 تم توفير التمويل للمؤسسات المالية الوسيطة في 13 من البلدان العربية بقيمة إجمالية بلغت 688 مليون دولار كان النصيب الأكبر منها لدول التحول وعلى الرغم من ذلك فإن الاحتياجات التمويلية لدول المنطقة تفوق ذلك بكثير، إضافة إلى ضرورة التغلب على المعوقات العديدة التي تواجه هذا النشاط في المنطقة وليس أقلها عدم ملائمة بيئة الأعمال وعمل جلها في القطاع غير المنظم.
والدور التالي الذي يمكن أن يكون للمجتمع الدولي دور كبير فيه، وفق الحمد، هو مجال المشاريع الكبيرة إذ إن هناك حاجة ماسة لدعم مشاريع البنى التحتية الكبيرة لدفع النمو وتحسين القدرة التنافسية وتوفير الفرص الاقتصادية على نطاق واسع. وقال إنه لا يمكن تحقيق نمو عادل وشامل بشكل أفضل إلا من خلال توفير الخدمات الاجتماعية بجودة مقبولة وأسعار معقولة؛ إذ بينت الدلائل المتوفرة من بعض الدول أن تدهور وجودة الخدمات العامة مثل الإسكان والرعاية الصحية كانت أسبابا في الانتفاضات في كل من مصر وتونس. وبين أن الدول العربية التي تمر بمرحلة انتقالية لها تحديات مشتركة غير أن كلا منها تواجه مجموعتها الخاصة من التحديات والمعوقات التي تتطلب إجراءات فورية وعاجلة، إضافة إلى إجرءات طويلة المدى.
وقال إنه نظرا لصعوبة المرحلة الانتقالية التي تمر بها معظم دول التحول يجب أن تكون هناك جهود متضافرة من قبل المجتمع الدولي لمساعدة تلك الدول في كسر الحلقة المفرغة لبطء النمو وعدم الاستقرار السياسي.
وأضاف أن هناك مسؤوليات كبيرة على الحكومات تتمثل في ترتيب الأولويات وتوضيح الرؤى وتنفيذ الإصلاحات المنشودة في إطار تشاركي وتفاعلي مع مختلف مكونات المجتمع لتوفير كل ظروف النجاح.
وقال مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، مسعود أحمد، إن شباب المنطقة يبحثون عن مستقبل أفضل، ويجب مساعدتهم في تأمينه وتحقيق مطالبهم المتعلقة بفرص العمل وتحسين مستوى المعيشة.
وأكد ضرورة أن يتحمل الجميع مسؤولية وضع سياسات فاعلة، كل في بلده، وتقديم أفكار عملية يمكن تطبيقها وفق ما يتطلبه ذلك في كل من هذه الدول.
ودعا أحمد المشاركين في المؤتمر إلى الاستفادة من الخبرات المتبادلة في جلساته المختلفة ووجهات النظر التي يقدمها كل المشاركين. واستعرض أحمد عناوين وأهداف الجلسات التي سيتضمنها المؤتمر؛ حيث عقدت أمس 4 جلسات ركزت الأولى على تنفيذ سياسات الاقتصاد الكلي للحفاظ على الاستقرار ودعم النمو الاحتوائي، وركزت على أهم أولويات الاقتصاد الكلي لضمان الاستقرار مع وضع الأساس لنمو شامل يتميز بكثافة فرص العمل.
وتناولت الجلسة الثانية موضوع تعزيز الشفافية والحوكمة الرشيدة؛ إذ بحثت هذه الجلسة أنواع مبادرات الشفافية والمساءلة التي يمكن استخدامها لزيادة الثقة بين القطاعين العام والخاص في العالم العربي.
وركزت الجلسة الثالثة على قضية إدخال الشباب إلى سوق العمل؛ حيث بحثت هذه الجلسة الخطوات التي يمكن اتخاذها لتشجيع توظيف العمالة وخاصة شباب المنطقة.
وتناولت الجلسة الرابعة موضوع تحسين مناخ الأعمال وبحثت أهم مجالات الإصلاح التي يمكن أن تساعد على تحسين مناخ الاستثمار على المستثمرين المحليين والدوليين على حد سواء.
أما جلسات اليوم فتركز أولاها على التحول الاقتصادي في العالم العربي وتحدياته، ويناقش المشاركون فيها الإصلاحات التي يمكن أن تحدث فرقا إيجابيا بالنسبة لمواطني المنطقة، ليتم بعدها تقديم التوصيات المستقاة في الجلسات السابقة.
ويضم المؤتمر ما يقارب من 200 شخصية منهم صناع سياسات من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأطراف مشاركة خارجية إلى جانب مجموعة من الشخصيات القيادية في القطاع الخاص والمجتمع المدني والدوائر الأكاديمية.
وكالة كل العرب الاخبارية