المزيد
ليس مهماً من القائل.. ؟

التاريخ : 29-04-2014 |  الوقت : 07:31:03

ربما كان من أشهر ما فاه به رئيس دولة وهو يخاطب مواطنيه تلك العبارة التي جاءت على لسان جون ف. كنيدي في خطابه بحفل تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة عام 1961 إذ قال: ((لا تسألوا ماذا يستطيع وطنكم ان يفعل من اجلكم، بل اسألوا ما الذي تستطيعون أن تفعلوا من اجله)).. ولقد احدثت تلك الكلمات صدى بالغ الأثر في نفوس الكثيرين وتغنّى بها الكتاب والساسة على حد سواء حتى بات يستخدمها كثير من القادة في خطبهم، ومن ناحيتي لم يخف اعجابي ببلاغتها حتى حين فوجئت قبل شهور قليلة (30 ديسمبر 2013) بمقال نشرته صحيفة The Sunday Morning Herald بقلم Joseph Wakim (ويبدو من اسمه انه لبناني) ينتقد فيه الرئيس كنيدي ويستغرب كيف أنه استخدم تلك العبارة الشهيرة البليغة في خطابه دون ان ينسبها لصاحبها الاصلي وهو جبران خليل جبران الذي كان في عام 1925 قد وجهها بالعربية الى البرلمانيين اللبنانيين حيث قال (وانا هنا أترجم عن الانجليزية لأني لم أطلع على النص الأصلي العربي): هل أنت سياسي تسأل ماذا تستطيع بلادك ان تفعل من اجلك، أم أنك وطني متحمس تسأل ما الذي تستطيع ان تفعله من اجل بلادك ؟.. ولا أنكر أن شعوراً بالفخر بجبران قد غمرني الا أن الرغبة في مزيد من البحث دفعتني للعودة الى كتاب قديم ابتعته قبل اكثر من اربعين عاماً بعنوان A Thousand Days / John F. Kennedy in the White House وهو من تأليف Arthur M. Schlesinger, Jr. فوجدت كيف ان العبارة لفرط اهميتها قد حظيت في مقدمته بشرحٍ مفصل وكيف أنها لم تكن بنت ساعتها بل موجودة في دفتر ملاحظات كنيدي التي كان يدوّنها منذ العام 1945 وكانت الملاحظة حينذاك عن روسّو، وأنه ظل يرددها في ذهنه ويعدلها حتى أوصلها الى ما جاءت عليه في خطبة تنصيبه عام 1961، ويمضي مؤلف الكتاب (وهو أهم مستشاري الرئيس ومدبجّ خطاباته) الى القول: مع أن هذه الجملة كانت من صياغة كنيدي نفسه لكن، ككثير غيرها في تاريخ الأدب السياسي العالمي هناك صيغ أخرى تشبهها، ففي جنازة الشاعر المناهض للعبودية John Greenleaf Whittier عام 1892 قال رئيس بلدية Haverhill ((هذه المناسة تذكرنا بان الانسان لا يشرّفه ما فعلته مدينته من أجله، لكن بما فعل هو من اجلها)).. واقدم من ذلك في خطاب بمناسبة يوم الذكرى عام 1884 قال قاضي المحكمة العليا Oliver Wendell Holmes أن اللحظة التي نعترف فيها بأننا ننعم برغد الحياة توجب علينا أن نتذكر ما فعلته بلادنا من اجل كل واحد منا، وان نسأل أنفسنا ما الذي نستطيع أن نفعله لبلادنا مقابل هذا الجميل.
وبعد.. فليس مهماً من الذي قال مثل هذه العبارة قبل الآخر وكأنها احتكار لاختراع مسجل ! لكن الاهمية تكمن في الهدف من قولها.. فاذا كانت مجرد بلاغة خطابية نصفق لها فقيمتها تنتهي عند هذا الحد، وإذا كان كنيدي قد وجهها للجنود الاميركيين العائدين من حرب فيتنام فتكون مضحكة مبكية، أما اذا قصد بها أولئك الذين يستفيدون كثيراً من اوطانهم ثم يتنكرون لها فهي عبارة جديرة بالتقدير والاعجاب والمتابعة وكم كنت أتمنى لو أن الرئيس اوباما استخدمها عام 2008 في مخاطبته لمدراء البنوك الكبرى وفقاعات التمويل المنفلت الذين حققوا لأشخاصهم وشركاتهم الخاصة منافع وارباحاً خرافية لكنهم اوقعوا بلادهم والعالم في ما يقترب من الكارثة المالية المحققة.. وبالمقابل فان احداً لا يتوقع من رئيس عاقل ان يوجه مثل تلك العبارة للعاملين الكادحين المجدين من مواطنيه وهم في العادة الغالبية العظمى، فهؤلاء يملكون كل الحق في أن يسألوا: ماذا فعل الوطن من أجلنا.. ويقصدون بالطبع حكومة بلادهم !

 

الرأي



تعليقات القراء
لايوجد تعليقات على هذا الخبر
أضف تعليق
اضافة تعليق جديد

الحقول التي أمامها علامة * هي حقول لابد من ملأها بالبيانات المطلوبة.

:
:
:
 
أخر الأخبار
اقرأ أيضا
استفتاءات
كيف تتوقع نهاية الاحداث الجارية في قطاع غزة؟



تابعونا على الفيس بوك