تعهد وزير التربية والتعليم د. محمد الذنيبات، بألا تتنازل الوزارة عن حقّها في قضية الاعتداء على المدرّسين، بعدما تكررت هذه الحوادث، وأصبحت بمثابة ظاهرة خطرة ومقلقة. وأضاف الذنيبات أنّ "الوزارة التي اتخذت إجراءات التقاضي ضد المعتدين مؤخراً على معلّميها، لن تتراجع مع أولئك الذين ينتهكون حرمة المدارس وقدسية مهنة التعليم".
موقف الوزير جاء على إثر حادثتي اعتداء في مدرستي القاضي إياس وأدر الثانويتين على معلِّمَيْن، أعلن المعلمون في الكرك وسحاب بعدهما الإضراب وتعليق الدراسة، مطالبين بسن تشريعات لحماية المعلمين من الاعتداءات.
من المعروف أنّ ظاهرة ضرب المعلّمين ليست جديدة، بل هي ظاهرة ممتدة إلى الأعوام الماضية. وربما يذكر بعض القراء والمعلمين قصصاً مخجلة ومؤسفة تماماً، تتجاوز بشاعتها ما حدث في المدرستين الأخيرتين، عندما تعرّض معلمون، مع الإدارة، في بعض المدارس، للضرب المبرّح، لكنّ وزارة التربية حينها لم تحرّك ساكناً في القضاء، ولم تحمِ المعلمين!
اليوم، يعلن وزير التربية والتعليم د. محمد الذنيبات، التحدّي أمام هذه الظاهرة، ويعد بالقضاء عليها. وهو بذلك يخوض معركة جديدة، عنوانها تطبيق القانون والأنظمة، بعدما نجح، بجدارة، في وقف مسلسل انهيار امتحان الثانوية العامة، فاتخذ قرارات شجاعة وجريئة، وقاد عملية حماية المدارس من الانتهاكات بالتعاون مع وزير الداخلية، وبدعم ملحوظ من رئيس الوزراء الذي أصدر قراراً بتعويض مراقبي الثانوية العامة عن الأضرار التي حدثت لمركباتهم، بسبب قيامهم بعملهم، وعدم خضوعهم للتهديدات من الأهالي المتنمّرين على القانون والمعلمين والمدارس.
صحيح أنّنا قلنا حينذاك إنّ نجاح الوزارة جزئي، وليس كلياً. لكنّ الإنجاز الحقيقي الذي تحقق، تمثّل في الرسالة القوية التي وصلت إلى "مافيات" الثانوية العامة، وإلى المتسببين بحالة التسيب والفوضى حينها؛ بأنّ للوزارة أنيابا، وللدولة قدرة على فرض القانون ووقف تلك الظاهرة، حينما يتوافر مسؤولون لديهم الإرادة والشجاعة على اتخاذ القرارات المناسبة.
تركة وزير التربية والتعليم ثقيلة جداً، وهو يقود أحد أهم القطاعات الحيوية المؤثرة على مستقبلنا؛ فهو قطاع يضم قرابة مليون وثمانمائة ألف طالب وطالبة، ومائة وعشرين ألف معلّم. فضلاً عن هذا وذاك، فهو المجال الحيوي للمستقبل، وبؤرة اهتمام الناس أجمعين، بعد أن أصابنا جميعاً القلق الشديد بسبب التدهور الذي حدث في أداء هذه الوزارة في السنوات الماضية، وكسر هيبتها.
حالة الانفلات التي يجابهها الوزير تتغلغل في أغلب مفاصل عمل الوزارة، بما في ذلك المدارس الخاصة، التي أصبحت كل واحدة منها، خلال الأعوام الماضية، بمثابة "مملكة مستقلة"، لا ولاية حقيقية لوزارة التربية والتعليم عليها، بينما يصرّ الوزير اليوم على تطبيق القانون والتعليمات عليها، وتذكيرها بأنّ الوزارة هي الجهة المشرفة والإدارية.
في هذا الشأن، أصدر الوزير تعليمات جديدة، بما فيها عدم زيادة الرسوم إلاّ بعد موافقة الوزارة، وعدم انتقال الطلبة في الصف الأخير من التعليم العام إلى الخاص، لأنّ كثيراً من المدارس الخاصة أصبحت تتاجر بنجاحات وهمية عبر منح للطلبة في الصفوف الأخيرة، لإيهام الأهالي بأنّ هذه المعدلات المرتفعة هي من جهود تلك المدارس!
بعض المدارس الخاصة تمثل قصص نجاح حقيقية، إذ تمكّنت من تقديم نماذج متقدمة في التربية والتعليم. لكن تطوير هذا النموذج وتعزيزه، يتطلبان تقوية وزارة التربية، ومنع خروج بعض هذه المدارس عن الجادّة؛ كما يتطلب أيضاً شجاعة استثنائية وخبرة إدارية لدى المسؤولين، لإعادة الطمأنينة للمواطنين بعدما فقدوها، تماماً، خلال السنوات الماضية، سواء في التعليم العام أو الخاص!
الغد