المزيد
أطباء أدباء

التاريخ : 18-02-2014 |  الوقت : 11:46:35

وكالة كل العرب الاخبارية : 

بين محفوظاتي القديمة إضبارة عمرها أكثر من ستين عاماً وقد تآكل غلافها وكلح لونها على مر الزمن، تحوي مجموعة مقالات لصلاح حافظ في مجلة (روز اليوسف) بين 1951 - 1954، حيث بزغ نجمه ككاتب صحفي وهو طالب في كلية الطب بجامعة القاهرة، وكان يعتقل كثيراً بسبب نشاطه السياسي اليساري الممنوع، مما عطله آخر الأمر عن اكمال الدراسة فتفرغ للصحافة كاتباً متميزاً الى أن تربع على كرسي رئاسة تحرير (روز اليوسف) وكان زملاؤه لفرط إعجابهم بادارته ومحبتهم لشخصيته يسمونه (المايسترو) لكنهم فجعوا بعد سنوات قليلة باصابته بسرطان في الدماغ اودى بحياته..
ترى ما الذي جعلني استحضر هذه الاضبارة الآن ؟ دعيت الى حفل في نقابة الاطباء أقامته جمعية (أطباء ادباء) في السابع من الشهر الجاري قدم فيه النقيب دروع التقدير لعدد من الاطباء الشباب بعد أن استمعنا الى نماذج من انتاجهم الأدبي في الشعر وسواه وفي كلمتي أمامهم تحدثت عن بعض تاريخي المتواضع مع الكتابة متأثراً بمن سبقني من الاطباء المصريين الذين خاضوا هذا الميدان وبينهم صلاح حافظ ويوسف ادريس ومصطفى محمود الذين يدرك من قرأ آثارهم الاولى ذلك البعد الآخر الذي يعود الفضل فيه للعلوم الطبية التي اكتنزوها.. ورويت باقتضاب جزءا مما لا تزال ذاكرتي تعيه عن المعركة الصحفية الواسعة التي نشبت في خمسينات القرن الماضي بين من يؤمنون بان الفن ينبغي ان يكون من اجل الحياة واولئك الذين يؤمنون بأن الفن يجب ان يكون خالصاً للفن، وكان فرساننا الثلاثة من الفريق الأول الذي ضم آخرين من كتاب مصر الشباب آنذاك مثل احمد بهاء الدين وإحسان عبد القدوس وعبد الرحمن الشرقاوي وعبد الرحمن الخميسي وعبد العظيم انيس ومحمود أمين العالم أما الفريق الثاني فقد ضم كبار الكتاب امثال عباس العقاد واحمد الصاوي محمد واحمد حسن الزيات وعبد القادر المازني وتوفيق الحكيم، اما طه حسين فقد تمهل طويلاً قبل أن ينتصر للفريق الأول..!
ولعل من واجبي هنا أن اقوم بتعريف القراء باسلوب صلاح حافظ (الطبي) وذلك بأن أقتبس من الاضبارة العتيقة واحداً من سلسلة مقالاته (انتصار الحياة) التي كان يطبق فيها بعض قواعد علوم الفسيولوجيا والباثولوجيا على تحليلاته السياسية والاجتماعية فبعنوان (لكي يخرج الانجليز) كتب في 23 اكتوبر1951 عن حركة المقاومة الوطنية التي اشتعلت ضد الجيش البريطاني الذي كان يحتل جزءًا غاليا من ارض مصر هي منطقة قناة السويس: (اجسادنا حين يضايقها دخيل يدس نفسه بين انسجتها، تبادر فتتخذ على الفور تدابير عملية تجعل بقاء هذا الدخيل امرا مستحيلا وتضطره الى أن يخرج من تلقاء نفسه ذليلاً مشيعاً باللعنات، واول هذه التدابير التي تتخذها اجسادنا هو القيام (بثورة محلية) في المناطق التي يحتلها الدخيل، وهي ثورة تتلخص مظاهرها في تضخم الانابيب الدقيقة التي تحمل الدم الى مكان الثورة، والنتيجة طبعاً أن تتضاعف كميات الدم الواردة الى هذا المكان، حاملة معها كميات متضاعفة ايضاً من (الكرات الدموية) البيضاء.. والكرات البيضاء لها دائما عمل واحد هو نفسه عمل الفرق الفدائية في حروب العصابات فهي تلقي بنفسها كالمجنونة على الدخيل البغيض وتظل تأكل منه قطعة قطعة فيموت كثير منها، ولكن غيرها يحل على الفور محلها ويواصل النضال ويجيء بعد هذا دور (الخطوط الخلفية) في تغذية الثورة القائمة، وهو دور يقع على عاتق اجزاء معينة في الجسم، كالطحال مثلا ونخاع العظام اذ تنشط هذه الاجزاء نشاطاً هائلا لانتاج مزيد من الكرات البيضاء، تبعث بها فوراً الى الميدان تماما كما تفعل مراكز التطوع في كل امة مشتبكة في حرب قائمة...).
وبعد.. أختم بما ختمت به كلمتي لاطبائنا الادباء: أن الكتابة مسؤولية تحتم على حاملها ان يكون له مبدأ يدافع عنه وهدف نبيل يناضل من اجل تحقيقه وإلا فسرعان ما تذروها الرياح !

نقلاً عن الرأي الأردنية



تعليقات القراء
لايوجد تعليقات على هذا الخبر
أضف تعليق
اضافة تعليق جديد

الحقول التي أمامها علامة * هي حقول لابد من ملأها بالبيانات المطلوبة.

:
:
:
 
أخر الأخبار
اقرأ أيضا
استفتاءات
كيف تتوقع نهاية الاحداث الجارية في قطاع غزة؟



تابعونا على الفيس بوك