وكالة كل العرب الاخبارية :
في الأردن ربما يصح القول بأن درس الربيع العربي مرّ بسلام، وبإصلاحات سواء اتفق الجميع عليها، أو رفضوا جزءا منها مطالبين بأكثر مما تحقق، لكن ما أنجز لبى جزءاً من المطالب الكبرى التي طالب بها الناس، وهؤلاء جميعا كانوا في لحظة ولادة الربيع العربي وفي ألق صعوده جعلوا العودة لدستور 1952 معيار الجدية في الإصلاح.
وعقب تشكيل لجنة الحوار الوطني التي كانت في البداية متوجسة من مسألة تعديل الدستور أو فتح الدستور في نقاشاتها، تقدم الملك واستبق الجميع وشكل لجنة لتعديل الدستور قامت بمهمتها وأنجزت ما طلب إليها أن تقضي به أمراً.
قد لا تكون الإصلاحات الأردنية في نظر بعضهم كافية، لكنها كانت مؤشرة على أن الانبهار في الربيع العربي وشمسه الساطعة يجب أن لا يقود البلاد إلى الاستعجال أو إعطاء مكون سياسي ما تقديرا أو تمثيلا أكثر مما يستحق، وهنا علينا أن نعرف بأن نخباً معينة كانت تفكر آنذاك بحصتها المقبلة في مرحلة التغيير التي تخيلتها أو رغبت بحدوثها أردنيا.
لم تتشكل في الأردن قوى دفع إصلاحي خارج الدائرة التقليدية من أحزاب ورجالات سلطة يعاودون الظهور بأكثر من صورة أو ناشطون شباب أو نقابيون أو قادة تقليديون أو متقاعدون، لكن الحراك إذ وفرّ الصوت المستمر بضرورة الإصلاح وكبح الفساد، إلا أنه للأسف خسر معاركه غالبا بسبب بلاغته الكلامية وإصراره على الجدال بدون حجج عميقة، ليكتشف أن ما كان يؤشر عليه من فساد ليس اختراعا أو تهما ترمى، بل هو نتيجة لمسيرة طويلة من العمل المنظم والمغطى قانونيا أحيانا، وهكذا طويت العديد من الملفات وقد أشار رئيس الحكومة الدكتور عبد الله النسور إلى ذلك في أكثر من موقع.
لم يكن ممكن أردنيا ان نحدث ثورة في مكافحة الفساد أو في آلية الإقبال على الانتخاب أو في نوعية المرشحين المختارين من قبل الشعب أو حتى في انتخابات البلديات، ولربما لو عادت التجارب لكانت الخيارات مماثلة لما هي عليه اليوم، تلك أمور تتصل بثقافة الناس. لكن الذي كان مطلوبا إصلاح جدي في التعليم والثقافة والنظم الإدارية والهيكلة وانقاذ الأجهزة والمؤسسة من حمى الشيخوخة وفقدان الذاكرة، وتحقيق المزيد من العدالة، وهو ما أشار إليه الملك ورئيس الحكومة عدة مرات حول ترهل الجهاز الحكومي.
خلال عشرة أعوام سبقت الربيع العربي، عاش الأردن بين وجهات نظر عدة في إدارة الدولة، ومرت مرحلة انقسم بها الناس، وظهرت أسماء مرغوبة باعتبارها المدافعة عن الدولة وبقائها، وكانت هناك اسماء أخرى تلقت الكثير من سهام النقد والاتهام لكونها ظهرت مسؤولة عن فكفكة الدولة، أو هكذا رآها الخصوم.
بعد ثلاث سنوات اكتشف الكل أن إقصاء القوى الليبرالية عن المواقع المؤثرة غير ممكن، وغير مطلوب أيضا محاكمة الناس على اعتقادها، لكن المهم مراجعة فاحصة للإنجاز، وفي هذا تصبح الحكومة برئيسها بنظر البعض خير ممثل لقوى الجهاز البيروقراطي المحافظ والراغب بعضهم استعادة الدولة، ولملمة ما تفرق منها وفرخ بشكل مؤسسات جديدة مستقلة عبر مشروع دمج المؤسسات المستقلة والهيكلة.
اليوم بعد إخفاق الربيع العربي، وتراجع مداه، قد ترى القوى الليبرالية الساحة مفتوحة للعودة من جديد.
Mohannad974@yahoo.com