المزيد
بالإيمان بالغيب نحمى شبابنا

التاريخ : 03-01-2014 |  الوقت : 09:54:38

وكالة كل العرب الاخبارية: 

أول صفة وردت في القرآن الكريم للمؤمنين والمسلمين، هي الإيمان الغيب؛ قال تعالى: "ألم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب" (البقرة، الآيات 1-3).
وفي زماننا المادي هذا، تتضح هذه المكانة المركزية للإيمان بالغيب وضرورتها. ذلك أن البحث عن الغيب والتفكر فيه، فطرة إنسانية لا يستطيع الإنسان، مهما حاول، التخلص منها. ولذلك، برغم النزعة المادية الطاغية على الحضارة الغربية، إلا أن أبناءها عجزوا عن منع أنفسهم من التساؤل عن بداية الكون؛ متى كانت؟ وكيف حدث ذلك؟ ولماذا؟ وعجزوا أيضاً عن منع أنفسهم من تخيل كيف ستكون نهاية الكون. ولم يقتصر هذا التساؤل والقلق على الفلاسفة والمفكرين منهم، بل امتد للجمهور الواسع، حتى أصبحت الإجابات المطروحة لهذه التساؤلات تُحول إلى أفلام سينمائية تحتذب ملايين المشاهدين؛ عن بداية الكون، ونشوء المخلوقات، وعن نهاية العالم ودماره، وذلك وفق النظريات والفرضيات المادية العلمانية. وهذا الشغف بمعرفة ما حدث وما سيحدث، ولو عبر فيلم سينمائي، يؤكد مركزية الإيمان بالغيب، وحاجة الإنسان إليه دوماً.
أيضاً، لو وقفنا مع اهتمام الجماهير في العالم بقضية نهاية العالم في 12/12/2012، سواء كانت بحسب نبوءة من حضارة المايا، أو بسبب أخطاء من وكالة "ناسا"؛ فإن هذا القلق وهذا الترقب، مؤشر لاهتمام وتشوّف البشر للغيب، ولما سيحدث في المستقبل؛ هل هناك شيء مغيّب بعد المستقبل؟ وما هو؟
وبرغم قيام الحضارة الغربية على النزعة المادية التي أنكرت الغيب الديني الذي نصت عليه الأديان، إلا أنها أُرغمت واضطرت للاعتراف بالغيب، ولكن هذه المرة باسم الغيب العلمي! فالماديون زعموا انهم لا يؤمنون إلا بالواقع والمادة، فلما سئلوا ما هي المادة، لم يستطيعوا الإجابة! لأنه حين تقدم بهم العلم، واكتشفوا المجاهر الإلكترونية ورأوا الذرة ومكوناتها، وجدوا أنفسهم أمام فراغ كبير، يشبه الفراغ في الفضاء؛ ووجدو أن القوانين التي تحكم عمل جزيئات الذرة هي بعكس قوانين نيوتن التي تعمل على وفقها الأشياء. وخرجت عندها نظرية "الكوانتية" أو "ميكانيك الكم". وعجز العلم والعلماء عن فهم المادة وفهم ماهيتها، كما فهم كيف تكونت! لكنهم مع ذلك يؤمنون بما لم يروه، ويقولون لا نستطيع أن نراه، إنما هو أمر غيبي!
وستبقى هذه حال العلم والعلماء، كما قال تعالى: "يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ" (الروم، الآية 7). فبرغم مرور آلاف السنين على البشرية، إلا أنها ما تزال عاجزة عن فهم حقيقة كثير من المحسوسات حولها؛ كالروح والعقل، والجاذبية والكهرباء، وغيرها.
وقد ترك هذا العجز عن فهم الغيب البشر في قلق وهم ويبحثون له عن علاج بغير الإيمان، فلا تكون النتيجة إلا: "وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا" (طه، الآية 124).
ولكن المسلم المؤمن، يؤمن بالغيب الذي أخبره عنه ربه بالقرآن الكريم في آياته، والنبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه الصحيحة؛ وليس الغيب الذي حرفته تحريفات الرجال وأهواؤهم. فالمؤمن الحقيقي لا مشكلة له في معرفة الغيب؛ إذ هو يعرف ما جرى قديماً، وما سيجري في المستقبل، ويعرف أن عاقبة الظلم وخيمة، وأنه لم يُخلق عبثاً بلا غاية وهدف. فالمؤمن يؤمن أن بداية الكون بكلمة "كن"، وأن الإنسان خُلق بيدي الله عز وجل من طين، وأن آدم، أبا البشر، سكن الجنة التي سيعود لها من يؤمن بها ويعمل صالحاً، وأن الإنسان في الدنيا في مرحلة اختبار وامتحان، وأن بعد الموت حياة برزخية، وأنه سيكون هناك بعث وقيام ونشور، ليتم محاسبة الناس على أعمالهم، فإما جنة وإما نار.
وهذا الغيب الذي يؤمن به المؤمن، ينعكس على سلوكه؛ فهو يترك المحرمات التي كثير منها من المتع والشهوات المحببة للنفس، لكن لها أضرارا خطيرة على الروح والعقل والبدن والمجتمع، لأن المؤمن موقن أنه سيحصل عليها في الآخرة، خالية من الأضرار والمفاسد.
أما من لم يؤمن بالغيب، فتراه يُقبل على هذه المتع؛ يعب منها عباً، لأنه يعتقد أن حياته هي الفرصة الوحيدة للتزود بهذه المتع، مهما كانت العاقبة. كما أنه لا يؤمن أن هناك من سيحاسبه على إيذائه وإضراره وظلمه للآخرين.
لذلك، فإن ما تروج له اليوم الأفلام و"الفيديو كليب" بين شباب الأمة -من انغماس في الشهوات في الحفلات الصاخة والماجنة التي تدور على العري والسكر والرقص والتهور، باسم المغامرة، والانغماس في عالم المخدرات والإباحية- هو نتيجة غياب الإيمان بالغيب أو ضعفه. وإلا، فهل يجهل هؤلاء الشباب، عندنا وعندهم، أضرار الخمر والمخدرات؟ هل يجهلون أضرار الزنا والشذوذ؟ هل يجهلون أضرار الرقص الغربي والعنيف؟ هل يجهلون أضرار الأصوات الصاخبة في مثل تلك الحفلات؟ هل يجهلون أضرار وأخطار السياقات المتهورة والسباقات التي يتنافسون فيها؟ بالطبع هم لا يجهلون ذلك. إذن، ما هو الدافع وراء هذه المجازفة الخطرة؟
الجواب هو: غياب الإيمان بالغيب عندهم، وضعفه عند شبابنا، واعتبار هؤلاء أن زمن شبابهم هو الفرصة التي إذا لم ينتهزوها بالاستمتاع واللهو، فإنه لن تكون هناك فرصة أخرى! بينما الشباب والفتيات المؤمنون يحرمون أنفسهم من هذه الشهوات والمتع الجذابة، إيماناً بالغيب، وإيماناً بأن هذه الشهوات تجلب الأضرار لهم ولمجتمعهم. وكم نحن بحاجة إلى دراسة عن خسائر المجتمع من المسكرات والمخدرات والتهور في القيادة، وكم هي حجم المآسي والكوارث والخسائر التي تخلفها كبائر الزنا والشذوذ والإباحية!
المؤمنون يتركون هذه المتع الجذابة ذات الأضرار الجانبية الكبيرة، لمستقبل في الغيب قادم لا محالة، يحصلون فيه على المتعة السليمة، والشهوة الصحيحة، من دون أضرار ومآسي ومفاسد، قال تعالى: "وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ* يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لّا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ" (الطور، الآيتان 22 و23)؛ وقال تعالى: "يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ" (المطففين، الآيتان 25 و26)؛ وقال تعالى: "مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى" (محمد، الآية 15)؛ وقال تعالى: "يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ" (الزخرف، الآية 71)؛ وقال تعالى: "يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ" (الواقعة، الآيتان 17 و18).



تعليقات القراء
لايوجد تعليقات على هذا الخبر
أضف تعليق
اضافة تعليق جديد

الحقول التي أمامها علامة * هي حقول لابد من ملأها بالبيانات المطلوبة.

:
:
:
 
أخر الأخبار
اقرأ أيضا
استفتاءات
كيف تتوقع نهاية الاحداث الجارية في قطاع غزة؟



تابعونا على الفيس بوك