المزيد
الدكتاتور البارد

التاريخ : 18-12-2013 |  الوقت : 09:01:47

وكالة كل العرب الاخبارية : 

للجغرافيا أيضاً طغيانها وطغاتها، لكنهم بخلاف أمثالهم في التاريخ لا ينفع معهم حراك أو تظاهر وفي مقدمتهم الدكتاتور الأبيض البارد. الذي ما إن يحجب الشمس والظلام أيضاً حتى يصيب شرايين البلاد بالتصلب، وهو ما إن تستبقه النشرة الجوية لتعلن عن قدومه حتى يجعلنا نعيش لحظات تشبه لحظات التهيؤ للحرب. طوابير في كل مكان، واشتباك على الرغيف والكاز، وسيارات الأجرة، وكانت حصتي من هذا الدكتاتور مضاعفة، فهو أولاً أصاب الستالايت بالعطب وحوّل جهاز التلفزيون إلى صندوق أخرس.
ولأنني لا أجيد الانتظار في طوابير الخبز، فقد حدث معي ما نسب إلى ماري أنطوانيت عندما  أخبرت بأن الناس لا يجدون الخبز فقالت ليأكلوا البسكويت ليس ترفاً أو لأي سبب آخر غير غياب الرغيف.
دكتاتور التاريخ يختبر منسوب الحرية والمناعة لدى الشعوب. ولكن هذا الدكتاتور الجغرافي البارد يختبر ما تبقى فينا من تعاون وإيثار، ويبدو أن نسبة الرسوب في هذا الاختبار الجغرافي أضعاف نسبته في التاريخ، فأجواء التكالب على ضرورات الحياة لا تختلف كثيراً عن أجواء الحروب رغم أن هناك شعوباً تعيش ثلاثة أرباع السنة في درجة برودة تزيد عن العشرين.
والمسألة أبعد من كل ما يقال عن البنية التحتية والاستعدادات اللوجستية، إنها نفسية وتربوية وأخلاقية. وحين لا يفكر الفرد إلا بنفسه فإن ذلك ينذر بأخطار اجتماعية لها نتائج كارثية، نحن نعيش أنماطاً من الحياة تشحذ الأنانية وتغذيها أحياناً بنزعة عدوانية، وكأن لقمة الفرد يجب أن تؤخذ من فم فرد آخر.

وما يجب الاعتراف به دون مواربة هو أن هذا الدكتاتور البارد يختبر أيضاً الدولة، وأجهزتها ومؤسساتها، وأشهد أن الدولة وأجهزتها لم ترسب مثلنا في هذا الاختبار، فقد رأيت رجالاً من مختلف أجهزة الدولة يقاومون هذا الدكتاتور البارد بالجرافات وسيارات الإسعاف والسهر بعيداً عن المدافئ والكستناء المشوية وغرف النوم.
ان العربي الآن في معظم أقطارنا يعيد اكتشاف الدولة، وضروراتها، بعد أن جرب غيابها، فأكل الناس بعضهم أحياء وموتى.
لكن عنف هذا الدكتاتور البارد تجلى حيث يموت أطفال مخلوعون من أوطانهم في العراء، وما من شيء كهذا الدكتاتور البارد افتضح ما حدث في عالمنا العربي خلال الأعوام الثلاثة العجاف.
وللمرة العاشرة منذ اللجوء الفلسطيني نرى هذا الدكتاتور وهو يفتك بأطفال وشيوخ داخل الخيم وخارجها، ويبدو أننا بصدد التحول من أمة عربية واحدة إلى أمة من اللاجئين. فلا نعلم كم عدد ضحايا الديكتاتور البارد القادم بعد عام أو عامين أو عشرة أعوام!
دكتاتور التاريخ مقدور عليه ولو بعد حين، أما هذا الديكتاتور البارد دكتاتور الجغرافيا فلا فرار أو نجاة منه!



تعليقات القراء
لايوجد تعليقات على هذا الخبر
أضف تعليق
اضافة تعليق جديد

الحقول التي أمامها علامة * هي حقول لابد من ملأها بالبيانات المطلوبة.

:
:
:
 
أخر الأخبار
اقرأ أيضا
استفتاءات
كيف تتوقع نهاية الاحداث الجارية في قطاع غزة؟



تابعونا على الفيس بوك