المزيد
مملكة الله لماذا تقوم على جثتنا؟

التاريخ : 12-09-2013 |  الوقت : 12:53:21

وكالة كل العرب الاخبارية :

 كيف كان سيد قطب سيتجول في شوارع حلوان الان؟ 
ذهب اليها بحثاً عن استشفاء لرئته المعطوبة. هناك زاره نجيب محفوظ الذي تقول الاساطير ان سيد قطب كان مكتشفه. وهو بالفعل من أوائل النقاد الذين اهتموا بنجيب محفوظ وكتب عن رواياته (خاصة «خان الخليلي») 
سيد قطب وقتها كان يريد أن يصبح أديبا، كاتبا بالمفهوم الحديث، حاكى «ايام» طه حسين في سيرة ذاتية لم تقرأ الا بعدما اصبح صاحبها نبي التطرف. 
برومانتيكية طاغية كتب سيد قطب سيرته «طفل في القرية» واهداها الى طه حسين قبل ان يحمله الطغيان الرومانتيكي الى العقاد، المعبر الاقصى عن التطرف النرجسي والباحث عن العظمة والعبقرية في كل ما يعرفه وينتمي اليه، وهذه النقطة تلبي مشاعر سيد قطب الرسولية، فهو راسم الطريق الى اليوتوبيا وحامل الواقع الى مصاف الجنات الارضية. 
النرجسي الزاعق عاندته علة الجسد والاقامة علة هوامش المدينة . 
كيف تكون معزولا وانت رسول هذه المدينة؟ 
من بيته في ضاحية حلوان، اعلن سيد قطب ذات يوم الطريق الى مملكة الله. اعلنها واضحة: نحن في مملكة الشيطان، مجتمع جاهلي، الاسلام غائب وليس غريبا فقط. 
اعلانه كان انفجارا على الورق، اختلطت فيه مفاهيم لحداثة الدولة والمجتمع بمفاهيم «الحاكمية» له، والاخوان في تلك اللحظة نتف جماعة ما زالت تدور حول افكار حسن البنا البسيطة، وها هو الرومانتيكي ينفجر على الواقع بمهمة الخلاص الكبير. 
لم يكن الادب يتسع لهذه الانفجارات ولا للنرجسية الرسولية ولا لانفعالات تعيد العالم بحرب من «الصحابة الجدد» ــ النخبة المؤمنة ــ الذين يتجمعون في عصبة يتسربون فيها في المجتمع الجاهلي ــ الكافر. 
هذه النتف العاطفية والانفعالية بنصوصها الحادة صنعت «معالم على الطريق» الذي اوصل الاخوان في العام ١٩٦٥ الى «الجهاز السري» الذي سيستولي على السلطة بقوة السلاح. 
لم يصدق سيد قطب ان رومانتيكياته على الورق ستتحول الى خطة وسلاح ومقاتلين سيصطادهم النظام بعدما كانوا صيدا لرسولية النبي الذي صدر الفكرة المدمرة بان «الافكار تغذيها الدماء». 
بدا ضحية مثالية سيد قطب وهو في طريقة الي منصة الاعدام. ملامح متعبة لكنها متماسكة. يعرف طريقه هو الذي كان قبل سنوات من اعدامه مباركا لاعدام خميس والبقري، بطلا اول صدام للضباط الاحرار مع العمال في كفر الدوار بعد اسابيع قليلة من ازاحة الملك. 
سيد قطب كان مستشار مجلس قيادة الثورة العمالي/الثقافي، وتقول الاساطير انه صانع الرؤى الاجتماعية للضباط (بكتابه «العدالة الاجتماعية في الاسلام»). تقول اسطورة اخوانية اخرى ان قطب كان سيحتل موقع هيكل لعبد الناصر. ورغم انه كان مقيما في مكتب في مقر القيادة الا انه لم يقتنص ــ تقول الاسطورة ايضاً ــ موقعه الرسولي المفضل، اما في وزارة التعليم (المعارف وقتها) او في الاذاعة. 
كاد سيد قطب ان يصبح «الكونت ميرابو» للضباط ــ بحسب عاشقي اقامة التماثل بين يوليو ١٩٥٢ والثورة الفرنسية ــ ولم يكمل قطب الدور الذي لعبه اونوريه غابرييل ريكوبتي، الكاتب والصحافي والخطيب النزق والعليل الذي لعب دورا في انتقال فرنسا الى الجمهورية، بالرغم من انه كان مؤمنا بالملكية الدستورية. 
قطب لم يكن من الممكن ان يكون «ميرابو» لان حسيته ــ ولنقل نزقه ــ لم تقعه في فخ الرسولية التي هي تعبير نرجسي يرى فيه الشخص في نفسه مهام تخليص البشرية من شرورها، بدلا من فهمها، والتمعن اكثر في رحلتها. 
رحلة سيد قطب قصيرة جداً، وهذا ماجعل صدمته الاولى وتحوله الى مقاتل ضد الحضارة تبدأ في اميركا حيث عاد من هناك يبحث دخله عن الكنز محطما الجسور الى المعرفة بنظرية تقول: «نأخد من الامريكان خبرات الميكانيكا واالفيزياء والزراعة والعلوم البحتة ونفارقها في النظريات والقيم والافكار». 
هذه النظرية النفعية قادته الى فكرة «ان الله سخر لنا الغرب لينتجوا حضارة نستهلكها نحن»، على تعدد استخدامات هذه النظرية من تبرير الاستهلاك، الى معاداة الغرب باسلحته، وحتى اكتفاء مفاهيم مثل الديمقراطية بدون سياقها/رحلتها الفكرية. 
ليس اقل من نبي جديد، بدعوته الى مملكة الله، وصحابة النخبة المؤمنة، الجماعة، وخطة نشر للدعوة بالقوة، اسمها الكودي: عودة الاسلام من غيبته. 
بدت ملامحه غير مريحة، نظرته فيها شر يناقض هيئته الهادئة. هكذا رأى نجيب محفوظ سيد قطب في زيارة له بعد التحولات. وكالعادة لم يكتب هذه الاوصاف علنا أو صراحة، لكنه وضعها في بورتريه «عبد الوهاب اسماعيل» ضمن روايته «المرايا». 
هذا الشر المقيم المحفور في ملامح طيبة/ مشروع جد طيب/ او موظف يحكي خبراته لصغار الموظفين /باقية في صور سيد قطب التي نراها مظللة بالحان الشجن /ونبرات الالم المكتوم/ كما يليق بالموت ان يفعل في نسية المصريين. 
تظل هنا صورة فريد عبد الخالق وهو اخو الجيل المؤسس للجماعة والذي انحاز الى جناح حسن الهضيبي «دعاة لا قضاة»، ردا على انفجارات الرمانتيكي سيد قطب على الورق... فريد حكى وهو في سنته الثمانين ربما عن اخر نظرة تبادلها مع سيد قطب. كان ملقى بجوار الحائط يئن من التعذيب، منهك الروح والبدن، بينما مر قطب وتبادلا نظرة لا تنسى... نظرة لوم: «لماذا فعلت بنا ذلك...ألم نقل لك؟». 
كم فريد عبد الخالق، سينظر النظرة نفسها إلى سيد قطب لو مرّ اليوم بين جنازات الإخوان في بيوت حلوان وما حولها من عشوائيات تنام فيها «غيتوهات» الجماعة؟

وائل عبد الفتاح



تعليقات القراء
لايوجد تعليقات على هذا الخبر
أضف تعليق
اضافة تعليق جديد

الحقول التي أمامها علامة * هي حقول لابد من ملأها بالبيانات المطلوبة.

:
:
:
 
أخر الأخبار
اقرأ أيضا
استفتاءات
كيف تتوقع نهاية الاحداث الجارية في قطاع غزة؟



تابعونا على الفيس بوك