وكالة كل العرب الاخبارية:أخ يقدم على قتل شقيقه، وأب يقرر برصاصة إنهاء حياة ابنته، وشاب يقتل والده، ونسيب يطلق رصاصة على والدة زوجته..
قصص كثيرة لجرائم تناقلتها وسائل الإعلام، لم تشهد في الآونة الأخيرة انتشارا فحسب، بل تراوحت في درجة بشاعتها وقساوتها.
ومؤخرا هزت الشارع الأردني جريمة إقدام شاب ثلاثيني في بيادر وادي السير إحدى ضواحي عمان، على قتل والدته واثنين من أشقائه رميا بالرصاص، فيما أصاب شقيقته بجروح شديدة، وقد تبين من التحقيق أن سبب القتل "يعود لخلافات عائلية على خلفية إرث".
والسؤال المطروح هل للظروف السياسية الصعبة التي تعيشها المنطقة العربية عموما، وازدياد مشاهد القتل عبر الفيديوهات التي تبث عبر مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، دور في ازدياد الجريمة؟
خبراء أرجعوا رواج العنف المجتمعي إلى "اعتياد مشاهد القتل ورؤية الدم" وسط ما تشهده المنطقة العربية من أحداث سياسية، وما تبثه وسائل الإعلام بشكل مستمر منذ أحداث الربيع العربي، من مناظر القتل والتدمير والتفجير "ليعتاد المرء العنف والإجرام".
يضاف إلى ذلك جملة من العوامل التي ساهمت في ازدياد نسبة الجريمة في الاردن، أهمها الأوضاع الاقتصادية المتردية والمتعلقة بارتفاع نسب البطالة والفقر، فضلا عن تدني الاجور، وفق ما ذكر مختصون.
الدم العربي أصبح "رخيصا ومجانا"!
على الصعيد النفسي يشير الاختصاصي النفسي د.محمد الحباشنة إلى "انخفاض" الحساسية تجاه العنف في غالبية المناطق، أدى لأن يصبح الدم العربي "رخيصا ومجانا".
ويقول الحباشنة "أصبحنا نميل للعنف مع ما أثبته الواقع على مستوى الدول والجماعات بأن (القوي هو الذي يسود)"، منوها إلى أن تلك المقولة "ترسخت وتعمقت في فكر العربي بشكل عام والأردني بشكل خاص، فأصبح المواطن يفكر بأن يكون قويا كي ينجح".
ويضيف "نمر في حالة غير مستقرة حتى لو ظهرت غير ذلك، فنحن نراقب المحيط ونبدي ملاحظاتنا باعتبار أنه ليس لدينا مشاكل"، متابعا غالبية التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي مثلا عن سورية ومصر، "فنحن نعلق على الآخر للتخفيف من الألم الداخلي من عدم استقرار اقتصادي واجتماعي وعائلي".
ويبين الحباشنة أن مظاهر العنف "أثرت وهزت منظومة الأخلاق"، فأصبح التعبير عن الاضطرابات النفسية بشكل عنيف، فاستبدل التعبير بالقلق والاكتئاب والإحباط عنه بتعبيرات ساخنة سواء تجاه الآخرين أو النفس مثل جرائم القتل وحالات الانتحار. ويأسف الحباشنة أنه في هذه المرحلة الانتقالية "ليس هناك قواعد ثابتة لمنظومة الأخلاق"، ففي السابق كان هناك "ضبط اجتماعي"، أما الآن "فعدم التجانس في مختلف النواحي يؤدي إلى حالة عدم الاستقرار والعنف".
أستاذ علم الجريمة في الجامعة الأردنية د.عايد وريكات يقف على الأسباب المؤثرة في حجم الجريمة وعلاقتها بالأحداث السياسية الراهنة في الوطن العربي بدءا بالحركات الاجتماعية التي تمثل مشاكل يعاني منها الناس في المجتمع العربي. ويشير وريكات إلى أن هناك كثيرا من القضايا المشتركة في العالم العربي ذات علاقة وتأثير على سلوك الأفراد، مثل البطالة والفقر وغياب الحريات.
ويؤكد أن تدني الأجور، بالإضافة للتغيرات الطارئة على المجتمع مثل التحضر الذي أدى إلى ضعف الرقابة الاجتماعية غير الرسمية وبطء إجراءات التقاضي خاصة في القضايا الاقتصادية واللجوء إلى أخذ الحق بالذات، كل ذلك أسهم في رواج الجريمة.
وينوه وريكات إلى أنه لا يمكن أيضا تجاهل قضايا التكنولوجيا والمعلومات ودورها في ارتفاع معدلات الجريمة، من خلال الاطلاع على قصص مختلفة وأشكال متنوعة للجريمة".
"اعتياد" مشاهد القتل والتدمير!
وسائل الاتصال الحديثة والمنتشرة في كل منزل مكنت الجميع من متابعة الأحداث السياسية التي تعيشها الدول العربية حاليا وبتفاصيلها أولا بأول، والتي لها آثار ودلالات على الفرد كبيرا وصغيرا وعلى الأسرة والمجتمع، وفق استشاري الاجتماع الأسري مفيد سرحان.
ومن هذه الآثار، بحسب سرحان، الشعور بالظلم والقهر وسلطة القوة الغاشمة وغياب العدالة وتعدد المعايير والنفاق الدولي واختلال منظومة القيم، وهذا التناقض بين ما يقال وما يكون على أرض الواقع مما يصعب من مهمة المربين والأسرة بصورة خاصة.
ويرى سرحان أن كل ما سبق يتطلب بذل مجهود أكبر في تربية البناء والحرص على أن تتواءم الأقوال مع ما يطلب منهم من أفعال، وأن ما يحصل من تأييد أعمال القتل والظلم سواء على مستوى الدول أو الأفراد يجب ألا يكون مانعا من الحرص لدى الجميع على إحقاق الحق وعدم الانزلاق في الظلم.
ويتفق أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأردنية د.حمود عليمات مع ما ذهب إليه الحباشنة وسرحان في أن العنف الذي يجتاح العالم ومناظر القتل والتدمير والتفجير والجرائم الهائلة، التي تعرضها وسائل الإعلام بتكرار واستمرار ويراها الكبير والصغير "تزيل عنها حواجز الاستغراب والاستبعاد"، فيصبح العنف والإجرام "أمرا عاديا في النطاق الإنساني"، "حيث تدخل في حيز الإمكان العقلي وهو أول درجات الإمكان الواقعي والشيء الممكن عقلاً ممكن واقعاً". وينوه عليمات إلى أن تكرار مشاهدة أحداث الانحراف والجريمة يؤدي إلى "زوال وحشتها وشناعتها واستهجانها" وهذا يؤدي إلى اعتبار الجريمة "سلوكاً معهوداً"، متابعا أن السلوك المعهود مأنوس ومألوف وبالنتيجة يصبح العنف من مجريات الحياة الاعتيادية وبالتالي يسهل ارتكابها وتبريرها ويضعف رد الفعل الاجتماعي ضدها.
"الجرائم والانحرافات سلوكيات بشرية تخالف الاعراف والقوانين والقيم السائدة في المجتمع"، بحسب عليمات الذي يرى أن أي سلوك بشري نتاج تأثيرات كثيرة معقدة، والانسان عموما يتأثر بخصائصه وصفاته وتجاربه وقدراته الذاتية كما يتأثر بالمجتمع المحيط به وبالتغيرات الاجتماعية السياسية الاقتصادية العامة.
ويتابع أن التغيرات والاحوال العامة تصنع الاطار العام الضاغط على السلوك، وهي تهيئ الظروف المفضية للانحراف أو الجريمة، والفرد بما عنده من ضوابط خارجية وداخلية يمكن له مقاومة هذه الضغود والتعامل معها بطريقة ايجابية أو قد يكون التعامل سلبيا ويحصل الانحراف.
موجة "غير مسبوقة" من العنف
"في المدى القريب هناك زيادة في معدلات الجريمة لكن هذا الأمر لا يمكن الجزم به علميا إلا بعد إجراء القياسات العلمية وفق المعايير المعتمدة"، وفق قول عليمات.
ويوضح عليمات "تجتاح المجتمع الانساني وخاصة العالم العربي موجة غير مسبوقة من العنف"، مرجعا ذلك العنف الى "صراع بين مكونات المجتمعات"، منوها إلى أنه نتاج عهود طويلة من الظروف السلبية التي حكمت بعض المجتمعات وأسفر عنها اختلال في شبكة العلاقات الاجتماعية.
ويشير إلى أنه في ظل هذه الاختلالات الاجتماعية تغولت فئات على أخرى في المجتمع، في حين نهضت فئات تبحثا عن تنظيم جديد للمجتمع تتاح فيه الحرية والحياة الطيبة والمدنية للجميع، غير أن المصالح المتأصلة لنخب وجماعات مستفيدة من الاوضاع السائدة اصطدمت مع المطالب بالحرية، وللأسف لم تصل تلك المجتمعات الى كلمة سواء فيها صلاح وفائدة للجميع وانزلقت تلك المجتمعات في صراعات مدمرة له.
وبحسب التقرير الإحصائي الجنائي الصادر عن مديرية الأمن العام فقد بلغ عدد الجرائم العامة في العام (2012) (32929) جريمة، أي أن كل (15) دقيقة تحدث جريمة عامة في الأردن، وقد ازدادت جرائم القتل القصد في الأردن العام 2012 عن العام الذي سبقه بحوالي 55 %.
وفي هذا الصدد وضمن هذه الإحصائيات يبين اختصاصي علم الاجتماع في جامعة البلقاء الدكتور حسين خزاعي أن الجرائم المنفرة التي تترك اثرا نفسيا قويا في المجتمع وحدثت في العام (2012) تمثلت في وقوع (71) جريمة قصد وعمد و(5) جرائم مفضية الى الموت.
ويضيف خزاعي ان ثلث هذه الجرائم "تمت بطريقة بشعة جدا وبين الاهل وداخل الاسرة الواحدة" ما ولد مشاعر سلبية عند المجتمع بتنامي وازدياد وتفشي الجرائم في المجتمع الاردني، علما بأن معدلات ارتكاب الجريمة في الاردن مقارنة بالزيادة في عدد السكان هي "ضمن معدلاتها الطبيعية".
ويقول خزاعي إن غياب دور الاسرة في التوجيه والتربية والمتابعة للابناء، وضعف الوازع الديني وانهيار مؤسسات الضبط الاجتماعي غير الرسمي في المجتمع والمتمثلة في غياب دور الأسرة والجامعة والعشيرة والأقارب والوجهاء في التربية والتوجيه يؤدي الى ضعف الرقابة والتوجيه على الابناء.
ولا يخفي خزاعي ان لبعض وسائل الإعلام "دورا سلبيا في الترويج للجريمة" وذلك من خلال "إظهارها مرتكب الجريمة بأنه قام بعمل بطولي"، فضلا عن "التعاطف مع المجرم ونسيان الضحية وضياع حقوقها وتشرد ابنائها وتعرضها للمشكلات التي لا تعد ولا تحصى".
ويشدد سرحان على أهمية الحوار داخل الأسرة والتعليق على ما يحدث وإتاحة المجال للجميع للبحث عن الحقيقة وعدم الاستماع إلى الجهات التي تشوه الحقائق أو تقلبها، وأن تحرص الأسرة قدر المستطاع على تجنيب الأطفال مشاهدة الصور والمناظر البشعة مع قناعتها بصعوبة ذلك، وخصوصا مع توفر وسائل الاتصال لدى الجميع، وهذا يفترض أن يدفع الجميع وعلى مستوى العالم لإدراك خطورة ما يحدث سيما على الأجيال القادمة. ويطالب خزاعي كافة مؤسسات الضبط الاجتماعي العمل جنبا الى جنب مع الاجهزة المعنية في متابعة الجريمة، والقيام بتوعية المجتمع بعدم الاعتداء والتطاول على الاخرين وترويعهم وارتكاب الجرائم بحقهم والاعتداء عليهم.