وكالة كل العرب الاخبارية:كثيرا ما نلتقي بأشخاص لأول مرة، فتعجبنا تصرفاتهم وأسلوبهم الراقي، ولهذا السبب نشعر بالارتياح تجاههم، وتشدنا شخصيتهم المثقفة والمنفتحة، ونتمنى لو أن هناك علاقة قوية تجمعنا بهم. هذا ربما لأننا أحببناهم وأعجبتنا أخلاقهم الرفيعة التي تدل على جوهرهم الحقيقي، فقد استطاعوا بعفويتهم وصدقهم، أن يحفروا في أذهاننا صورة واضحة شفافة قادرة على إيصال نفسها إلى الآخرين بدون تصنع أو تزييف، وهذا ما يجعلها أقرب إلى القلب ومحط اهتمام من حولها.
وترى الجميع يسعون إلى تكوين علاقات حقيقية مع مثل هذه الشخصيات، لأنها قادرة على ترك انطباع إيجابي وجيد في نفوس الآخرين، على العكس من أولئك الأشخاص الذين لا يمتلكون من المهارات الشيء الكافي الذي بإمكانه أن يوصلهم إلى القلوب، فتصرفاتهم بعيدة كليا عن اللطف والرقي، وكلماتهم قاسية وغير مدروسة تفتقر إلى اللباقة وحسن التصرف، ولا يدركون جيدا حجم الأثر الذي تتركه الانطباعات الأولى في دواخلنا فهم يفتقدون إلى الثقافة التي تجعلهم أكثر تفهما للآخرين، وأقدر على الإبحار في أعماق ذواتهم الخفية، الأمر الذي يساعدهم على قراءة أفكار من يتعاملون معهم، والاطلاع على خفايا شخصيتهم.
وأسهل طريقة بالنسبة لهؤلاء الأشخاص الذين تنقصهم الثقافة الكافية، هي التركيز على مظهرهم الخارجي والمبالغة في إبرازه، لاعتقادهم أنهم بذلك سيستطيعون لفت أنظار الآخرين إليهم، متوقعين أن الناس سينسون تماما جوانب النقص تلك المتمثلة بالثقافة القائمة على الوعي الجيد والقدرة على إدارة عملية التواصل مع المحيطين، بطريقة تدل على مدى فهم كل ما يجري بأسلوب منمق راق يخلو من المبالغة التي تصل حد التصنع، وهذا ما نرفض الوصول إليه، لأن ذلك قد يضطرنا إلى خسارة أشخاص كنا نتمنى أن نصادفهم لنبني معهم سلسلة من العلاقات الاجتماعية القوية التي نرغب أن تدوم للأبد.
ولكن بتصرفاتنا الغريبة وسطحية الأفكار التي نحملها أحيانا وقسوة طباعنا وصعوبة التعامل معها، كل تلك الأسباب مجتمعة قد تجعلنا نضيع من أيدينا أشخاصا من الصعب تعويضهم، ولطالما انتظرناهم وحلمنا بمصادقتهم.
ولكن أحيانا تجري الرياح على عكس ما كنا نتوقعه أو نتمناه، فقد تصدمنا شخصياتهم وتصرفاتهم، لأنها لم تأت مطابقة لتلك الصورة التي رسمنا تفاصيلها بأذهاننا، بل جاءت شخصياتهم سطحية هشة تفتقر إلى العمق والقوة، وأفكارهم التي يتمسكون بها لا تتناسب أبدا مع أفكارنا وآرائنا.
والاعتماد على الانطباع الأول في تأسيس علاقاتنا أو إنهائها قبل أن تبدأ، ليس صحيحا دائما، فهناك أشخاص قد يظهرون بشخصيات تختلف تماما عن شخصياتهم الحقيقية، فلا نرتاح لمجالستهم أو الحديث معهم، الأمر الذي يدفعنا إلى استثنائهم من علاقاتنا الشخصية، وعدم الرغبة في رؤيتهم مرة أخرى، لأن صورتهم السيئة التي انطبعت في عقولنا، تأبى أن تفارقنا، ولذلك تجعلنا نحكم عليهم بالنفي خارج حياتنا، بدون أن نختبرهم ونفهمهم أكثر من خلال إدخالهم في تجارب واقعية تساعدنا على تكوين فكرة واضحة عنهم.
ففي كثير من الأحيان قد يخدعنا الانطباع الأول، فيجعلنا نحتفظ بأشخاص يتقنون التصنع والتزييف، وبالمقابل قد نستغني عن أشخاص خانتهم تصرفاتهم، فجاءت على عكس ما تخبئه شخصياتهم من وعي وثقافة قادرة على الإحاطة بكل التغيرات والتطورات، لكنهم أساءوا التصرف، فلم يستطيعوا إبراز شخصيتهم الحقيقية التي من شأنها أن تقربهم من قلوب أشخاص يلتقون بهم لأول مرة ويرغبون في ترك انطباع طيب في نفوسهم من الصعب محوه.
لذلك علينا أن ننتبه جيدا عند التقائنا بأشخاص لا نعرفهم، لنتمكن من رسم صورة جميلة في عيونهم التي تحاول التقاط أي حركة أو تصرف لتصل إلى خبايا وأسرار طبيعتنا التي تعد بالنسبة لهم لغزا غامضا يسعون إلى حله واكتشاف حقيقته، وخاصة إذا أرادوا أن يقيموا معنا علاقة صحيحة ومتينة قائمة على الصراحة والوضوح. وحتى نتجنب الوقوع في فخ الانطباع الأول واتخاذه حكما نهائيا لا يقبل التغيير، فلا بد لنا من التزود بكل المهارات التي تمكننا من كسب علاقات جديدة، وتؤهلنا إلى الفوز بأكبر عدد ممكن من الأصدقاء والمحبين.
وأولى هذه المهارات الموازنة بين شكلنا الخارجي وما نحمله من أفكار وقيم وقناعات، مبتعدين عن المبالغة في إظهار جانب دون آخر، لأننا إذا استطعنا أن نوازن بين جوهرنا ومظهرنا، فإننا بالتأكيد سنتمكن من إعطاء صورة جيدة وحقيقية عن أنفسنا، وبالتالي سنبين للآخرين مدى عمق تفكيرنا، الأمر الذي سيتيح للآخرين فرصة للتعرف على شخصيتنا وعلى الطريقة التي نحب أن يعاملونا بها، مستخدمين الابتسامة العفوية الصادقة، لاختراق جميع الحواجز التي قد تعترض تواصلنا وتعيقه، فالتجهم يقتل أي مبادرة تهدف إلى التعارف، لذلك لا بد من أن نتنبه جميعا إلى الدور المهم الذي تلعبه الابتسامة في تكوين انطباع طيب وإيجابي عند الناس.
ونحن إذا رغبنا في اجتياز اللقاء الأول فلنتقن جيدا الطريقة المناسبة لإدارة عجلة الحديث بأسلوب لبق وسلس قادر على إيصال الفكرة بوضوح، بدون اللجوء إلى الانفعال أو الإفراط في التحدث عن أنفسنا، لأن ذلك قد يشعر من نقابلهم لأول مرة بالملل والنفور، والرغبة الشديدة في إنهاء اللقاء بأسرع وقت ممكن، ولهذا السبب تنتهي الكثير من علاقاتنا قبل أن تبدأ، لأننا لم نتمكن من ترك انطباع جيد عند الآخرين.
ورغم أن الانطباعات الأولى قد تساعدنا على التعرف على شخصية من نقابلهم لأول مرة، إلا أنها ليست كافية لبناء صورة متكاملة عنهم، ولكي نكون فكرة واضحة عن تمكننا من إقامة علاقة حقيقية معهم، فلندخلهم في تجارب واختبارات واقعية تبين مدى الطباع والصفات التي يتمتعون بها.