وكالة كل العرب الاخبارية: وسط أنين بعض المرضى، وسأم مراجعين لعيادات أطباء طال دورهم بقصد العلاج، تتعالى أصوات في القاعة يتبادل فيها المتواجدون الأحاديث على اختلافها، وفي ركن آخر يتهامس بعضهم، في حين يؤثر آخرون تصفح المجلات والصحف أو النظر لشاشة التلفاز او العبث بالموبايل.
وتتواجد في غالبية المستشفيات والعيادات قاعات انتظار تستقبل المرضى، تختلف في سعتها، وأمام طوابير من المرضى ينتظرون موعدهم للكشف، يبقى الوقت قاتلا، ولتبديد سأم الانتظار والترقب يلجأ المراجعون لتبادل أطراف الحديث في الكثير من الهموم الاجتماعية على اختلافها، لتصل أحيانا للقضايا الأسرية والموضوعات الخاصة.
الأمر غالبا ما يبدأ بسؤال او تعارف حول المرض او القضية، ليتطور فيما بعد للحديث عن الأسباب والظروف، ليشارك المراجعون بعضهم بعضا التجارب، وينتقلون من ثم للخوض في أحاديث جانبية عامة وخاصة.
الثلاثينية ميادة سليم لا تجد ضيرا من مبادلة الحديث مع "زميلاتها المراجعات"، كما تسميهن، منوهة إلى أنها تقضي ما يزيد على الساعتين إلى ثلاث ساعات أحياناً في عيادة الأسنان التي تُراجع فيها، الأمر الذي يضطرها لمشاركة المتواجدات في القاعة النقاش في مواضيع كثيرة.
وترى سليم أن الحديث مع المراجعات عادةً ما يكون "مسليا ومفيدا وفيه تبادل للخبرات"، لاسيما إذا كانت "قاعات النساء منفصلة عن الرجال".
تقول سليم "عندما أجد المراجعات يتشاركن في الحديث أتشجع لعرض رأيي في الموضوع، ويتطور الحوار للتطرق لقضايا خاصة فيها بث لهموم أسرية خاصة كالحديث عن مشاكل الأولاد والمدارس وأحيانا المشاكل الزوجية"، لافتة إلى أنها قد تطبق بعض النصائح التي تقدمها إحداهن في مسألة ما".
وفي هذا السياق يرى اختصاصي علم النفس السلوكي الدكتور خليل أبو زناد أن الجلوس لساعات طويلة في مكان يتواجد فيه عدد من الأشخاص "لا بد أن يحث على الحديث والمشاركة في النقاش"، منوها إلى أن قاعات الانتظار عادةً ما تكون "بيئة خصبة لمثل تلك الجلسات"، حيث يتبادلون الحديث في مواضيع مشتركة وعامة وقليل من الأشخاص من يتحدثون في أمورهم الخاصة.
تقول الحاجة أم نذير، التي تزور إحدى عيادات الأسنان، إنها تأتي للعيادة في وقت مبكر حتى تتمكن من حجز موعد لها لتنصرف مبكرا، ومع ذلك تضطر للانتظار أحيانا كون السكرتيرة تعطي بعض المواعيد لمرضى آخرين، ووسط الانتظار تضطر أم نذير من تبادل الحديث مع المراجعات.
ما رصدته أم نذير من أحاديث في العيادة جعلها تدرك الفجوة في التفكير والتصرف بين النساء قديما وحديثا، فاستماعها لنقاش المتواجدات في القاعة لاسيما الصغيرات في السن منهن أشعرها أن "الوقت تغير كثيراً والزوجات لم يعد لديهن سعة صدر وتحمل".
ورغم أن أم نذير تستنكر "استهتار بعضهن في طرح مشكلاتهن بشكل صريح أمام غريبات"، إلا أنها لا تتوانى عن تقديم النصح والإرشاد لهن في تلك الجلسات الطويلة. ويبين أو زناد أن أكثر من يتحدث بالأمور الشخصية الخاصة "عادةً ما يكون شخصا يعاني من اضطراب نفسي ومشاكل متعددة"، ويجد في الأماكن التي لا يعرف فيها أحداً فسحةً للحديث والفضفضة التي قد تساعدة في الخروج من الحالة النفسية التي يعانيها.
وينوه إلى أنه "لا يجب التعميم فيما يتعرض له كثيرون"، مؤكدا أن "التجارب الشخصية متباينة"، و"لا يستحسن البوح في الأسرار العائلية أمام الغرباء".
بسبب حرصها على مراجعة عيادة النسائية والتوليد مبكراً، تجد عبير أبو نادر متسعا من الوقت للجلوس في قاعة الانتظار برفقة طفلها الذي تصطحبه معها عادة عند المراجعة.
وترى أبو نادر أن الوقت الذي تمضيه في العيادة وهي تنتظر دورها للكشف "مهدوراً"، كونها تجلس ما لا يقل عن الساعتين على أقل تقدير، الأمر الذي يجعلها تقضيه في مبادلة الأحاديث الجانبية مع المراجعات.
غير أن أبو نادر تنتقد بعض السيدات ممن يبالغن في طرح مشاكلهن وخاصة الزوجية منها، لافتة إلى أن "الجرأة في الحديث والطرح قد تكون نابعة من عدم معرفة الأشخاص لبعضهم بعضا"، ما يدفعم "للبوح والفضفضة".
وفي هذا السياق يؤكد ابو زناد أن كثيرا من النساء اللواتي يتحدثن بمشاكلهن قد يكن من الفئة التي تعاني من "انعزال عن الآخرين وتجد في وجود نساء ومجتمع أوسع من مجتمعها فرصة للفضفضة وإلقاء همومها وتحاول كسب الخبرات من تجارب الآخرين".
وللرجال في قاعات الانتظار بالعيادات أحاديثهم أيضا، والتي غالبا ما تكون في الشؤون الاقتصادية والسياسية، أو التذمر من طول فترة الانتظار، وهذا ما يؤكده عبد العزيز الهواري، الذي يرى ان النساء "اكثر قدرة على تجاوز ساعات الانتظار بالحديث والتشعب بالمواضيع مع المراجعات".
أما الرجال، وفق الهواري، فإن الاوضاع السياسية قد تكون جزءاً من حديثهم، او تبادل الحديث بشكل مقتضب عن الاوضاع في العمل، منوها إلى أن "غالبية المراجعين يقومون بقراءة الصحف المتوفرة في القاعات".
وفي ذلك يقول أبو زناد إن النساء "أكثر حديثاً من الرجال في قاعات الانتظار"، منوها إلى أن هذا "ليس لسبب سلبي وإنما كون النساء أكثر تفاعلاً من الناحية الاجتماعية، ولديهن القدرة على النقاش والتشاور وطرح المواضيع"، بالإضافة إلى أن المواضيع الأسرية "عادةً ما تسيطر على تفكير السيدات والأمهات على وجه التحديد".
وتبقى العيادات مكانا يعج بالمراجعين في الغالب، يلجأون لتمضية الوقت في الانتظار بتبادل الأحاديث على اختلافها فيما بينهم.