في كتابه الاخير ذي العنوان الفريد (ابناء الايام.. رزنامة من تاريخ البشرية) Children of the Days, a Calendar of Human History خصص ادريانو غاليانو صفحة لكل يوم من ايام السنة بدءاً بالاول من يناير (كانون الثاني) حتى 31 من ديسمبر (كانون اول) وانتقى لكل يوم حدثا بارزا أو قصة إنسان ما، رجلاً كان او امرأة، طفلاً أو كهلا، عالماً أو موسيقيا، في اي عام من تاريخ البشرية الممتد منذ ما قبل الميلاد حتى الآن، وفي كلمات قليلة وعبارات موجزة بليغة أدهشنا بما كتب، فمثلا في صفحة 12 آذار كان العنوان المثير (النوم ينبىء باكثر مما تنبىء اليقظة) وتأتي السطور تحته على النحو التالي:
( جبل فوجي، رمز اليابان، يتوهج باللون القرمزي القاني، الغيوم التي تملأ السماء، حمراء بفعل البلوتونيوم وصفراء بالسترونتيوم وارجوانية بالسيزيوم، وكلها تحمل السرطان وتشوهات فظيعة أخرى. فلقد انفجرت ستة مفاعلات نووية. الناس يفرون في حالة من الذعر واليأس، لكن، ليس هناك مكان يذهبون اليه.. ويصرخون: لقد خدعونا، لقد كذبوا علينا ! بعضهم يلقون بانفسهم في مياه البحر وبعضهم في فراغ الفضاء، فقط لكي يتعجلوا مصيرهم المحتوم. أكيرا كوروساوا حلم بهذا الكابوس المخيف فصوّره فيلماً سينمائياً قبل عشرين سنة من الكارثة النووية الجهنمية التي احاقت ببلاده في 2011..).
ترى، هل استطعتُ بهذه الترجمة البسيطة ان انقل المعنى الذي هدف له غاليانو منذ العنوان الذي لا يمكن فهمه إلا بقراءة متأنية لصفحة 12 آذار من هذه الرزنامة، ولا يمكن استيعابه إلا بعد ربطه بالمأساة المرعبة التي نجمت عن حادثة فوكوشيما الرهيبة التي تَصادفَ وقوعها في 11 آذار من عام 2011 والتي لا تزال نتائجها المدمرة المسرطنة، الظاهرة فيها والكامنة، تتكشف تباعاً فتخلع، افئدة الناس في كل بقاع الارض.
ومع ذلك.. ومع أن اكثر دول العالم قد تخلت عن مشاريعها النووية فاوقفت بعض ما عندها وبدأت بتفكيك الآخر واعادت النظر في اعتمادها على الطاقة النووية وبدأت بتطبيق مشاريع الطاقة المتجددة والآمنة كطاقة الشمس والرياح وسواهما، فان مايكل شنايدر الخبير النووي الفرنسي والباحث الدولي المرموق ومحرر (تقرير حالة صناعة الطاقة النووية في العالم ) يتساءل في محاضرته في عمان في الشهر الماضي (25 حزيران 2013 ) كيف يجوز لبعض الدول أن تفكر - مجرد التفكير - في البدء بانشاء مفاعلات نووية بعد كل ما حدث، وبعدما ثبت اعتماداً على العديد من الاحصاءات والدراسات كيف أن عصر المفاعلات النووية كمصدر للطاقة يتجه الى الأفول..
وبعد.. فان قراءتي لكتاب غاليانو وقصة الكابوس الذي روّع المخرج الياباني كوروساوا قبل عشرين عاماً من حدوث الكارثة فانبأه نومه بما لم تنبئه يقظته ! جاءت بعد استماعي لمحاضرة مايكل شنايدر مصادفة لها مغزى.
عن الرأي الأردنية