أفرزت الازمة السورية توازنات اقليمية متباينة الاتجاهات لوجود شبكة من المصالح المعقدة والمركبة والمتعارضة، وأخرى دولية غير متوافقة حول الحل العسكري ولا حتى الحل السياسي، ولكن المفاجأة ان احدا لم يكن يتوقع صمود النظام السوري طوال هذه الفترة. واعتقد ان الازمة السورية تجاوزت مطالب الشعب السوري بالحرية والديمقراطية وامتدت الى ما فوق الاقليمية والدولية، وقد تقود الى صياغات جديدة على الساحة الاقليمية، وهذه فرصة لا تريد كل من روسيا والصين وحلفائهما تفويتها لتأكيد حضورهما الاقليمي مع ايران التي اصبحت لاعب اقليمي اكثر واقوى من تركيا التي تكتفي بالتصريحات دون تدخل فعلي.
ترتكز استراتيجية بشار الاسد على المزاوجة بين تفريغ المساعي الدبلوماسية من مضامينها المؤثرة من خلال المماطلة وخلط الاوراق، مع الاستمرار بأعمال القتل والترويع بالأساليب العسكرية لكسر إرادة المعارضة معتمدا على قوة الجيش، لأن الجيش هو النظام والنظام هو الجيش فإذا سقط احدهما سيسقط الآخر حتما.فقد يسقط النظام من الداخل إذا تراجعت قدرات الجيش وقدرات سلاح الجو، وإذا حصل انقلاب عسكري أو تمرد وهذا مُستبعد في المدى المنظور لأن الطائفة العلوية تُشكل ما نسبته 75% من الجيش حيث يبلغ عدد ضباط الجيش السوري 36 ألف ضابط منهم 28 ألف ضابط علوي.
ليس المهم رحيل الاسد ولكن المهم من هو البديل وفي المعطيات الحالية لا يوجد نظام بديل مُقنع، لكن تُوجد قوى بديله متناقضة ومُشتتة وهي مزيج من المعارضة السياسية والعلمانية والمعارضة السلفية ألجهادية ولكن في حالة بقاء بشار الاسد وانتصاره على المعارضة فإن هذا سيقود الى قيام النظام بالانتقام من الدول التي دعمتْ المعارضة من خلال الاعمال الارهابية والتخريبية وتنفيذ بعض الاغتيالات هنا وهناك. وهذا قد يُشجع إيران وبعض الطوائف في بعض دول الاقليم للاستمرار في الحرب ضد المعارضة العلمانية والسنية على كافة الأصعدة وهذا حتما سيزيد من حدة الاقتتال الطائفي في العراق وسوريا ولبنان.
إن تسليح المعارضة هو فقط لتحقيق بعض التوازن وإطالة مدة القتال وليس تحقيق النصر على النظام، فالنصر العسكري ممنوع على كلا الطرفين حتى يذهب الجميع الى جنيف/2، فالسبب الرئيسي لتسليح المعارضة هو لخلق توازن مضاد لتدخل حزب الله والتدخل الايراني ووقف التقدم الميداني الذي حققته قوات النظام في بعض المناطق، فمثلاً إذا أنتصر نظام الاسد فإن الولايات المتحد ستخسر ما بقي لها من مصداقية وقوة ردعية في الشرق الاوسط، وهذا ايضا مرتبط برغبة اسرائيل ومصالحها في بقاء ورحيل نظام الاسد. وبالمقابل إذا انتصر نظام الاسد فإنه سيجعل من موسكو من جديد حليفا جذاباً ومغريا بالنسبة للكثير من دول المنطقة، وستصبح ايران أكثر قوة من أي وقت مضى على اعتبار ان رئيساَ سورياً ضعيفاً سيشعر بأنه بحاجة الى إيران في كل شيء، كما أن إيران ستستمر في تطوير برنامجها النووي، بعد أن أدركت ان الولايات المتحدة غير قادرة على إيقاف ذلك، كما ان حزب الله سيصبح اكثر قوة من قبل من خلال تقاسمه الترسانة العسكرية السورية الخطيرة من خلال تأثيره على رئيس سوري ضعيف.
أما إذا انتصرت المعارضة على نظام الاسد فأن الامور ستتغير حيث سيتم فصل سوريا عن ايران ومعها من الوصول الى البحر الابيض المتوسط وهذا يحرم حزب الله من المساند الرئيسي « سوريا ويفقد شرعيته في العالم الغربي وبعض الدول العربية والإسلامية، وهذا التحول قد يساعد على عودة اللاجئين من الاردن ولبنان وتركيا، ولكن هذا السيناريو بعيد الاحتمال وصعب ومركب ومعقد بدون توحد المعارضة والائتلاف وزيادة الدعم الغربي لقوات المعارضة وأن يكون البديل جاهزا.
أعتقد أن الازمة السورية خرجت من أيدي السوريين انفسهم بعد دخول حزب الله وإيران في القتال الى جانب قوات النظام بمستويات مختلفة حيث اتخذ الصراع بعدا طائفياً آخذا في التعمق والتوسع، وأن الحظر الجوي لن يكون مفيداً بسبب تداخل قوات الطرفين، لأن معظم العمليات القتالية هي في المناطق ألمبنية كم أن إدارة أوباما لازالت تذكر الفشل الاميركي في فيتنام ولصومال والعراق وأفغانستان.
في الختام اقول أن كلما امتد اجل حل الازمة السورية تزايدت تداعياتها الاقليمية والدولية على دول الجوار، واصبح الحل العسكري صعب ومكلف جدا, واذا الوضع والمعطيات الراهنة استمرت دون تغيير فإن المعارضة المسلحة مضطرة في النهاية الى التكيف مع الامر الواقع، وقبول مبدأ التدرج في حل الازمة وتقديم بعض التنازلات.
عن الرأي الأردنية