لم تكن قضية استخدام الجيش النظامي السوري للأسلحة الكيميائية إلا مبررًا احتفظت به الإدارة الأمريكية للتدخل المباشر في التوقيت المناسب وإنهاء النظام السوري. فالمصلحة الأمريكية الصهيونية تقتضي إنهاء سورية -كدولة لها مقومات وفكر سياسي- وإضعافها بعد زرع الفتنة الداخليه ما ينهي دورها على خارطة الشرق الأوسط كعنصر مقاوم أو على الأقل مناكف للمخطط الصهيوني في المنطقة .
لعبة الإدارة الأمريكية في أن الساحة السورية كانت نقطة تجمّع الأصوليين والمتطرفين والإسلاميين بشتى ألوانهم وأطيافهم، وهي الفرصة المواتية لتصفيتهم، أو إنهاك قواهم، والتعرف إلى وجودهم ومنابعهم، من دون أن تتكلف هذه الإدارة شيئًا، بل على العكس، يدفع الجيش النظامي السوري الاستحقاقات المطلوبة كلها .
لقد حرص السيناريو الأمريكي على إطالة أمد القتال حتى يُنهِكَ الطرفان نفسيهما، ويصلا إلى النهاية، ويصبحا بلا حول ولا قوة، فيَسهُل عندها تطبيق أي قرار تَصفِيةٍ وحلٍ للنزاع.
تَحسَّن موقف النظام السوري بالانتصارات التي حققها في القُصير وبعض مناطق ريف دمشق وحلب , بدعم واضح من روسيا وحزب الله وإيران لشراء مواقف متقدمة في جنيف 2 , فقد أدرك الأمريكان أن موقفهم الصامت سوف يُعَرقِل السيناريو المرسوم للوضع في سورية، الأمر الذي تطلب تدخلا سريعًا، خاصة أن الليبراليين الأمريكان أدركوا أن المصلحة الأمريكية تقتضي وجود حلول لهذه التغييرات الدراماتيكية في الساحة الميدانية، خاصة أن تطمينات اللواء سليم إدريس - رئيس هيئة أركان الجيش الحُرّ لضمان إيصال الأسلحة والعتاد للجيش الحر بعيدًا عن المتطرفين- شكلت دافعًا لموافقة الليبراليين في الكونغرس .
تزامن إجراء تدريبات الأسد المتأهب , والتصريحات الأمريكية بإبقاء صواريخ البتريوت والطائرات المقاتلة اف 16 إضافة لإبقاء ما يزيد على 5 آلاف جندي من قوات المارنز الأمريكية بالأردن مؤشر واضح لسيناريو جديد يُمهّدُ له بالمنطقة كبديل على فشل مؤتمر جنيف الثاني المزمع عقده هذا الشهر .
الأروبيون والأمريكان يدركون أن فرض منطقة محظورة جويًا في جنوب غرب سورية يحتاج لقرار من مجلس الأمن و يدركون أن روسيا بالذات لديها شروطًا كثيرة للموافقة على هذا القرار , غير أن الأمريكان والأروبيين مبدئيًا يريدون التلويح بالعصا الغليظة لسورية وحزب الله وإيران وروسيا لفرض الحلول السياسية التي هي مطلب معظم الأطراف، بمن فيهم المحيطة بسورية، وبالوقت نفسه تحميل روسيا وإيران وسورية المسؤولية عن أية عواقب عسكرية يمكن أن تنشأ في المنطقة . فالسناريوهات المطروحة الآن؛ إمّا تفاهم وتقارب أمريكي روسي أوروبي لمعالجة الأزمة السورية، وفق اقتراحات مؤتمر جنيف الأول، أو تقوية الجيش الحر وتمكينه من إنهاء النظام , وهذا بدوره سيشكل تحديًا لروسيا لا تستطيع -الأخيرة - الصمود أمامه كثيرًا خاصة أن عبء الفاتورة السورية على روسيا أصبح كبيرًا وأكبر من قدراتها الاقتصادية حتى والسياسية في الداخل .
ما يهمّني كذلك؛ هو الموقف الأردني الذي أصبح واضحًا أنه أمام خيارين كلاهما مُرّ , فإما المشاركة في الحملة العربية الأمريكية الأوروبية - ولديه مبرره الواضح في إنهاء الأزمة السورية - أو الوقوف بوجه موجة تسونامي التي لا نعرف أي إنهاك سيصيبنا. فالضغط العربي الكبير خاصة الخليجي، وكذلك الضغط الأمريكي واشتراط المساعدات , مستغلين ظرف الأردن الاقتصادي، وتهالك موازنته , كذلك رغبة الأردن أيضا في التخلص من تبعات واستحقاقات هذه الأزمة التي أنهكت الاقتصاد الأردني وخلقت حالة من التوتر الأمني والأزمات السياسية, والخلخلة الاجتماعية , ناهيكم عن الرغبة في فرض حالة الهدوء للمنطقة وبث الاستقرار وإعادة البناء, القائمة على أسس توحيد البلاد وتشكيل حكومة انتقالية تضبط وتُسيّر البلاد وتُعزّز الدستور الجديد وتُشرف على بناء الجيش، وتَحُلّ كل الجبهات وتَمنع التمرد وتُشرف على الإعمار إلى حين إجراء انتخابات دستورية وتشكيل حكومة ورئاسة دستورية .
من مصلحة الأردن معالجة الأزمة بالحل السلمي، فنحن لا نرضى أي تدخل لإسرائيل وأي تهديد إيراني أو من حزب الله أو من قوى التطرف. ولا نقبل أيضًا أن تكون أراضينا ممرًا أو ساحة لقتال الفرقاء، بغض النظر عن جنسياتهم . لكن من حقّنا أن نُدافع عن أجوائنا من أي احتمال يذكر، وكذلك اتخاذ الإجراءات التي تضمن سلامة مواطننا وأرضنا، فَهَمٌ لدينا إبقاء السوريين داخل سورية وإيقاف نزف شلال الدم , حيث لا قدرة لنا بالمزيد، خاصة أن تأمين المنطقة على مسافة الـ 40 كم سوف يشجع مئات الآلاف من الأشقاء النازحين للعودة لبلادهم . المهم أنه لا عسكري أردني يتخطى حدودنا ولا طلقة أردنية تنطلق باتجاه سورية . فهذا ثابت لا يمكن التخلي عنه .
عن العرب اليوم