الغالبية العظمى من شكاوي المواطنين اليوم ذات طابع أمني، مثال ذلك ان حي بكامله يشكو الازعاج نهارا او ليلا او ان سكان شارع يدبون الصوت لانهم لا يعرفون طعم النوم، ورشات البناء تبدأ يوم العمل في الخامسة صباحا وتنهيه ظهرا تبعا لحالة الطقس، التفحيط والموسيقى الصاخبة والمشاجرات ليلا عند اسوار البيوت كلها من معالم العاصمة، وفي الصباح الباكر تندفع قطعان الاغنام عبر الشوارع لترعى المساحات الفارغة من الاراضي بين البيوت، هذا من تراث عمان ومواصفات المدن الاردنية، وقد عايشناه طمعا بفارس مغوار من الزمن الجميل يأتي على جواد ابيض ليخلص هذه المدن وسكانها من ازعاج يصنف عالميا على انه ارهاب واعتداء مباشر على الانسان، لكنه لم يأت فتراكمت هموم الاردنيين ليصبح الازعاج من تقاليد حياتهم ومواصفات مدنهم ومؤخرا اكتشفت انه امتد ليشمل القرى ايضا تماما كالغبار الذي يلفها في اشهر الجفاف.
كان هذا زمان، اما اليوم فقد اضيف الى الازعاج خوف يقف خلف الابواب قد يطرقها في اية لحظة، ولم يعد مصدر الضيق والعصبية ملاعب الشوارع والصياح وابواق البائعين المتجولين ومواكب الاعراس الطويلة كالذي اغلق طريق المطار قبل عدة ايام لساعة كاملة واجبر المسافرين وسكان مناطق جنوب العاصمة على مشاركة افراح اهل العروسين رغما عنهم، كل هذا لا يساوي شيئا اذا ما قورن بسرقات المنازل والسيارات والممتلكات، واذا ما قورن بالدخلاء المتجولين الذين يبحثون عن صيدهم في عز النهار فيطرقون الابواب بعد الاطمئنان الى من بداخل البيوت تارة على انهم موظفي احصاءات او باعة عطور او مجرد جامعي تبرعات لبناء مسجد او لاجئين بعد ان وفر اللجوء سببا اضافيا، فاذا اقنعوا صاحب او صاحبة البيت ودخلوا كانت المأساة كتلك المآسي التي نقرأ عنها كل يوم وبعضها لا نقرأ عنه ولكننا نسمع به..!
كل اردني يشكو اليوم من شيء ينغص عليه حياته، وتعجز وسائل الاعلام عن تغطية شكاوي الناس وايصالها الى المسؤولين، وحين يتعلق الامر بالحالة الامنية يعجز حتى الصحفي المتمرس عن تحديد الجهة المعنية بهذا الشأن او ذاك، فلمن تشكو المتسولين الذي يضربون زجاج سيارتك لاجبارك على دفع المعلوم، ولمن تشكو امرأة منقبة تطرق بابك واذا بها لص يرتدي جلبابا للتمويه، ولمن تشتكي تاجر الخردة الذي يعبر من امام بيتك عشر مرات في النهار الواحد ويطلق مكبر الصوت في اي وقت يشاء، لمن تشكو الكلاب والاغنام والحشرات الزاحفة والطائرة ولمن تشكو الغبار ورائحة الديزل وزحمة السير وجشع سائقي التكسي.. ثم لمن تشكو من يجب ان تشكو له حين لا يؤدي واجبه، ولمن تكتب اذا كان المسؤول لا يسمع ولا يقرأ، لمن نشتكي..!؟
عن الرأي الأردنية