القضية ليست حديقة في ميدان تقسيم، كما أنها تتجاوز أية قرارات بخصوص المشروبات الروحية، والبحث ضروري عن الأسباب التي تقف وراء المظاهرات التركية الحاشدة، التي تعتبر الأوسع منذ سيطرة أردوغان على الحكم في تركيا، ولكن السؤال يمكن أن يطرح بطريقة مغايرة تماما.
ماذا كان يمكن أن تكون تركيا دون أردوغان؟ الجميع يتذكر تركيا في التسعينيات، التبعية الكاملة للأمريكيين، والاقتصاد المنهك، والسياحة الشعبية الرخيصة، ولا يمكن لأحد أن ينكر دور أردوغان ومشروعه في نقل تركيا إلى ما هي عليه اليوم.
تركيا اليوم في وضعية أفضل من دول أوروبية كبيرة، اقتصاديا، وعسكريا، وثقافيا، ولكن الأتراك غير راضين عن أردوغان وسياسته، والحقيقة، أنه يجب النظر فيما وراء المظاهر السطحية، فهل تشعر جموع كبيرة من الأتراك بالغبن نتيجة عدم استفادتها من نتائج التنمية الاقتصادية والإنسانية الجارية؟
تطورت الأحداث بصورة غير منطقية، فأردوغان، ورغم جميع التحفظات التي يمكن أن تسجل عليه، وميوله الديكتاتورية، لا يمكن أن يعتبر مثل ديكتاتور تشيلي أوغستو بينوشيه الذي لم تتمكن نهضته الاقتصادية من الحيلولة دون إسقاطه نتيجة لممارساته القمعية والسلطوية، وعليه فإن حجم الفعل الذي دفعت به المعارضة التركية لا يبدو عفويا، ولا متعلقا بأي أسباب سطحية كالتي تطرح اليوم.
ما يجري في تركيا يبدو وأنه أحد فصول المواجهة الشاملة لإعادة ترسيم المنطقة، وإذا كانت تركيا كقوة إقليمية من الدول التي ستؤثر في مستقبل المنطقة، فيمكن العمل على تحييدها انطلاقا من ميدان تقسيم، وعلى ذلك، يمكن أن يرتبط ما يجري في تقسيم، بوقائع الأمور في القصير، وبغداد التي تستعد لتستقبل موجة جديدة من الحرب الأهلية، وفي لبنان يمكن النظر بقلق اليوم إلى تطورات طرابلس من جهة، واشتباكات النصرة، التي هبطت بالبراشوت على الساحة اللبنانية مع حزب الله.
الأردن، يجب أن تجري مشاغلته أيضا، ويبدو أن الاستعداد لاصطناع المشاغلة قائم ومحتمل، ولكن تكتنفه مخاطر واسعة للغاية، لا تقتصر على الحدود الأردنية، ولكنها تمتد لتلقي بآثارها على الخليج العربي ككل.
إذا كانت الأسرة الخليجية تدرك فعليا المخاطر التي تتعرض لها عن طريق جنوب العراق، فإنها منقسمة حول المخاطر التي يمكن أن تباغتها في حالة استمرارها في التعامل مع الملف الأردني بطريقة عشوائية ومزاجية، ودول الخليج المنقسمة، يبدو أنها تسير وراء أجندات خاصة لبعض أعضاء الفريق الخليجي الذين يرون في الأردن تأثيرا على مكانتهم وتأثيرهم، مع أن وجود الأردن في المنظومة الخليجية هو ايجابي أكثر من وجود بعض الدول الخليجية نفسها، والتي تعتبر فقط قوة تصويتية في المجلس، دون أن تملك شيئا يمكن أن تضيفه لأمن الخليج.
تعتقد بعض الدول الخليجية أنها ستبقى خارج إطار عمليات التسخين والتفكيك والتركيب، ولكن هذه مسألة يبدو أنها سقطت عمليا في ميدان تقسيم، فلم يكن أحد ليتصور أن تشتعل الأرض تحت قدمي أردوغان وهو يعد لضربة قاضية لتراث الدولة التركية المعاصرة الأتاتوركية العسكرية، في مجموعة من الأحداث التي لا يمكن تقصي النوايا من ورائها، والتي لا يمكن للمحلل السياسي إلا أن يقف أمامها بكل التشكك والريبة.
سؤال المليون، ستجري الإجابة عنه في التحرير بنهاية الشهر الجاري، وبناء عليه يمكن تصور حجم عمليات المناقلات التي ستجري لو حدثت موجة ثانية من الثورة في مصر، وأي خطوط ستنفتح على بعضها بين الدول الإقليمية الكبرى، وأذرعها الطائفية والإسلاموية.
عن الرأي الأردنية