بقيت أموال الضمان الاجتماعي على مدى 22 عاما تحت ولاية المؤسسة حققت خلالها الكثير من الاستثمارات الناجحة ولم تتجاوز نسبة المتعثر منها أكثر من 2 بالمئة وهي أقل من النسب المقبولة في هذا المجال.
وقد كانت إدارة محفظة استثمارات الضمان ضمن المؤسسة وبكلف إدارية لم تتجاوز رواتب عدد من الموظفين المختصين على كادر المؤسسة ولجنة استثمار تابعة لمجلس الإدارة، وقد تنوعت تلك الاستثمارات لتشمل الغالبية العظمى من الاستثمارات القائمة التي يتم التغني بها وإبرازها كإنجازات للصندوق الاستثماري الذي تقرر إنشاؤه لغايات وفتاوى وأحكام وليصبح خارج ولاية المؤسسة ومجلسها وبكلف إدارية بملايين الدنانير تشكل أكبر تشوه لمفهوم الإدارة العامة.
ورغم عدم رغبتي الكتابة في هذا الموضوع الحيوي الذي كان لي موقف واضح حوله في العام 2005 ونُشر في "العرب اليوم" في ذلك الوقت وتناقلته العديد من الصحف والمواقع، إلا أن العودة لقصة تمويل السفارات في الخارج، والعودة لطرح إنشاء بنك للضمان الاجتماعي جعلت من السكوت أمر يصعب ممارسته.
فالموضوع الأول تم دفنه منذ العام 2004 لعدم جدواه ولعدم الرغبة في إخراج أموال الضمان إلى خارج البلاد في فرص غير معروف جدواها سوى تملك عقارات في الخارج لصالح تأجيرها لوزارة الخارجية فنخفف العبء عليها من ارتفاع أسعار الإيجارات أحيانا أو من عدم وجود موازنة كافية لتمويل العقارات أو دفع الإيجارات أحيانا أخرى، بغض النظر عن مخاطر الاستثمار في عقارات خارجية بعضها عليه ضرائب ورسوم عقارية سنوية كبرى، وبعضها قد لا يُسمح بالتصرف به مستقبلا من قبل دول المقر، وغيرها من المخاطر التي لا مجال للحديث عنه.
وباعتقادي أن من الأولى، وخدمة لأموال الطبقة العاملة في البلاد، أن يستثمر الضمان أمواله في الأردن بدلا من تحويلها إلى الخارج، ويكفي أن كل استثمار في الأردن يعود عليه بإيرادات تأمينية من كل فرصة عمل تولد عبر اشتراكات جديدة ناهيك عن العوائد المالية التي يجب أن يولده ذلك الاستثمار.
ويبقى الأردن وأبناؤه أولى بالمال من تحويله لفرص للخارج يعلم الله عوائدها من مخاطرها.
أما الطامة الجديدة فهي التفكير في إنشاء بنك للضمان، وهو المالك الرئيس في معظم البنوك الأردنية، فهذه مجازفة جدية تعني أحد أمرين: إما أن الضمان يريد أن ينافس نفسه عبر خلق تشوه بنكي يقدم قروضا أقل سعرا من البنوك التي يملك فيها فيقلل عائده من تلك البنوك، أو أن السعي اليوم نحو تحويل السيولة المتبقية من أموال الضمان إلى بنك استثماري يسهل السيطرة على قراراته وتوجيهه بعيدا عن الضمان ورقابته ليقال لنا إن البنك الجديد شركة مستقلة تأخذ قراراتها وفق أسس تجارية، كما قيل لنا إن الوحدة الاستثمارية مستقلة تسعى للعمل بعيدا عن بيروقراطية الضمان، وانتهى الأمر باستثمارات وبعض الفرص التي لا نريد فتح الحديث عنها هنا. أقول لمن انفتحت شهيتهم على أموال الضمان حذار، وارفعوا أيديكم عنه وأعيدوا الضمان وحدة واحدة بشقيه التأميني والاستثماري تحت ولاية مجلسه الممثل للعمال وأصحاب العمل والحكومة ولا حاجة لصندوق استثماري، أو شراء مقار للسفارات، أو إنشاء بنك استثماري.
الضمان يجب أن يُدار بمجلس إدارة يُمثل بشكل متوازن العمال وأصحاب العمل والحكومة وبرئيس مجلس إدارة شبه متفرغ، والأفضل أن لا يكون وزيرا عاملا، وبمدير عام تنفيذي يتبعه مساعدان اثنان، أحدهما للتأمينات والآخر للاستثمار. لتعود الولاية للضمان ومجلسه وتسقط أهواء وهوايات وتفتقات رؤساء الوزارات وبعض المتنفذين هنا وهناك.
عن العرب اليوم