المزيد
حال الجماهير العربية

التاريخ : 04-05-2013 |  الوقت : 10:36:16

في إطار تحليل الأزمة الاستراتيجية العامة التي تعرض لها الوطن العربي على مختلف المستويات قبل ثورات 2011، تبدو الجماهير العربية غائبة عن الصورة. إن هذه الجماهير كانت غائبة عن الفعل السياسي، وهي أيضاً غائبة عند التحليل والتفسير والاستشراف، وبالتالي عند تقرير عوامل الاستمرار وعوامل التغيير.
ولا شك في أن حدثاً جسيماً يتعرض له كيان اجتماعي –سياسي سوي يستوجب رد فعل موازياً عمقاً وتأثيراً. لذلك فإن غياب رد الفعل العربي العام تجاه الأحداث الجسيمة التي تعرض لها الوطن العربي قبل عام 2011، وتوقع استمرار هذا الغياب، يمثل عنصراً أساسياً في تأسيس فترة الانحسار العربي.
وفي محاولة رصد أسباب هذه الحالة الجماهيرية العامة، وتحديد عوامل الاستمرار وعوامل التغيير في الوقت نفسه، من الممكن الإشارة إلى العناصر الآتية:
أ‌- ضياع الهدف القومي بتأثير الصدمات والاختيارات الجديدة في المنطقة العربية، وبالذات من جانب مصر (تصفية الناصرية، الانفتاح، التبعية، كامب ديفيد... الخ)، والدول المحافظة (الخيار الإسلامي، دور النفط)، والعراق (غزو الكويت)، ومنظمة التحرير الفلسطينية (اتفاقية أوسلو)، اتفاقية السلام الأردنية – الإسرائيلية.
ب‌- طبيعة الدور المصري في الوطن العربي، منذ مطلع القرن ومصر تقوم بثلاثة أدوار أساسية: التحديث، التوحيد، التأمين. وعندما اختفى هذا الدور المركزي لم يكن من المتصور بروز بديل تلقائي يؤدي وظائفه. وإذا تدهورت قاعدة النظام نفسها، فإن بقية الهياكل لا تستطيع الصمود بمفردها، وإذا انفلتت فإن النظام يصبح بلا مركز وبلا قاعدة، ويتفكك، وأدت إلى ثورة الشعب المصري عام 2011 وما زالت مستمرة في عام 2013.
جـ- مأزق الدولة القطرية وعجزها عن الوفاء بوظائفها الأساسية، وكلما اشتد العجز تعاظم استئسادها على مواطنيها. لقد أصبح العنف والعنف المتبادل هو لغة الخطاب السياسي بين مجموعات النخبة الحاكمة وشعوبها، وفي ما بين هذه المجموعات بحد ذاتها. كما أصبحت الهيمنة الخارجية والتبعية للغرب هي لغة الخطاب الدولي بين كل نخبة حاكمة قطرية والولايات المتحدة، حتى من قبل "انفرادها" بقيادة النظام العالمي. وأصبح لسان حال هذه النخبة العربية يقول: نحن خير من يحمي المصالح الغربية في المنطقة، ولذلك فإن حمايتنا تشكل حماية لمصالحكم؟!
د- النفط والغرب، لا شك في أن العوامل الخارجية لها أهمية خاصة في تأسيس فترة الانحسار العربي، ولا شك أيضاً في أهمية الدور الذي لعبه النفط، كتعبير عن ذاته وكتعبير عن العوامل الخارجية. ولا شك أيضاً في أهمية الدور الذي لعبته عملية الهجرة تجاه منابع النفط في سلب إمكانيات التغيير الاجتماعي – السياسي من بعض البلدان العربية ذات الدور المتميز وفي مقدمتها مصر.
ه- ظاهرة "تعب المعادن" (metal fatigue)، إذ من الممكن القول إن الجماهير العربية أصيبت بنوع من (تعب المعادن) – الذي يفسر سقوط بعض الطائرات نتيجة تفاعلات غير معلومة بين الفلزات المكونة لأجسامها، من دون أي سبب آخر معلوم – بسبب طول رحلة النضال بما رافقها من "توتر ثوري"، فضلاً عن الصدمات المختلفة التي تعرضت لها، مثل صدمة 1967، ورحيل عبد الناصر، وحرب أيلول في الأردن عام 1970، والحرب الأهلية اللبنانية، وكامب ديفيد، وحربي الخليج الأولى والثانية، واتفاقية أوسلو، خصوصاً مع غياب قيادة قادرة على التوجيه وعلى التوحيد.
وفي ظل هذه الحالة الجماهيرية العامة، التي أسهمت في صنعها، وتسهم في استمرارها، أطراف عربية ودولية عديدة، أصبح من الممكن، أن يتخذ أخطر "قرارين فرديين" في التاريخ العربي المعاصر – وهما قرار زيارة إسرائيل من قبل الرئيس أنور السادات، وقرار غزو الكويت من قبل الرئيس صدام حسين – في إطار من "الاطمئنان" إلى رد الفعل العربي.
لقد أكد هذان القراران أن عقيدة النظام العربي تتعرض لانتكاسة خطيرة. فكل من هذين القرارين لم يكن من الممكن اتخاذه إلا في ظل حالة جماهيرية محددة، تعبر تعبيراً صادقاً عن نتائج انحسار التيار القومي، إذ كان كل منهما، رغم كل المتغيرات الإقليمية والدولية التي أسهمت في الإعداد له، يمثل تجاسراً على واحد من أهم مشروعات الحكم في الأقطار العربية، ومصادر شرعيتها في الوقت نفسه.
ولا بد هنا من الإشارة إلى أن التوصيف السابق لرد الفعل الجماهيري لا يحوي في طياته أية إدانة للشعب العربي. فلهذا الموقف الشعبي السلبي أسباب موضوعية، سيسجلها التاريخ ضمن "إنجازات" الأنظمة، التي استفادت فيها، بكفاءة وفاعلية، من الخبرة والتقانة الأجنبية، إضافة إلى الإبداع المحلي خصوصاً في مجالات الأمن والإعلام والإدارة.
وفي استشراف آفاق المستقبل، من الممكن القول إن تغييراً جوهرياً لا بد من أن ينبع من جذور شعبية جماهيرية، لذلك فإن الأساس الذي يستند إليه توقع استمرار الانحسار هو رد الفعل الجماهيري السلبي، تجاه أحداث بجسامة زيارة إسرائيل وغزو الكويت.. ليس رد الفعل ذاته، لكن باعتباره مؤشراً أكيداً لغياب الشعب العربي عن ساحة العمل. لقد نجحت الجهود الدؤوبة في تغييب الجماهير العربية عن الفعل السياسي لتسعة عقود لكنها فشلت في استمرار تغييب الجماهير العربية إلى الأبد. فقامت الشعوب العربية في ثوراتها في مطلع عام 2011 للتخلص من سياسة التهميش والاستبداد والاستعباد التي عانت منها، وأسقطت معظم تلك الأنظمة حتى الآن. فأنظمتنا السياسية استبدادية، وأنظمتنا الاقتصادية مهترئة، وإدارات مؤسساتنا غير فاعلة، وأنظمتنا التعليمية بالية، وهياكلنا الاجتماعية قديمة ومشاركة شعوبنا في توجيه السياسات شكلية وشبه معدومة، ومظاهر الفقر والبطالة والفساد القيمي متجذرة.


عن العرب اليوم



تعليقات القراء
لايوجد تعليقات على هذا الخبر
أضف تعليق
اضافة تعليق جديد

الحقول التي أمامها علامة * هي حقول لابد من ملأها بالبيانات المطلوبة.

:
:
:
 
أخر الأخبار
اقرأ أيضا
استفتاءات
كيف تتوقع نهاية الاحداث الجارية في قطاع غزة؟



تابعونا على الفيس بوك