المزيد
سياسة «فرّق تَسُدْ» !

التاريخ : 04-05-2013 |  الوقت : 10:27:05

أول مرة سمعت فيها تعبير (فرق تسد) كنت في الصف الثانوي الثاني حين (تبحبح) معنا في حديث سياسي نادر أستاذ اللغة الانجليزية محمد على المجايري (مصري) وراح يشرح لنا بجرأة لم نتعودها من المعلمين معنى Divide to Rule كسياسة خبيثة تعتمد عليها بريطانيا لإشاعة الفرقة في صفوف الشعوب التي تستعمرها واذكر أننا بالمستوى البسيط من الوعي السياسي بادلناه الحوار فقال أحدنا (وأظنه جميل بدور): ليست بريطانيا وحدها التي تفعل ذلك فكل دولة استعمارية تريد أن تحافظ على مصالحها في السيطرة على الدول الأخرى لنهب ثرواتها وتنفيذ مآربها السياسية المختلفة تلجأ لمثل هذه السياسة، فأكمل الاستاذ حديثه بالقول: هذا صحيح فكما فعلت بريطانيا في الهند وأججت نيران اكبر نزاع بين الهندوس والمسلمين يكاد يؤدي بعد قليل الى نجاح مشروعها لتقسيم تلك الدولة الكبيرة بانفصال المسلمين في دولة خاصة بهم تدعى (باكستان)! ها هي فرنسا كدولة انتداب (أو استعمار لا فرق) على سوريا ولبنان تفعل نفس الشيء بتغذية الخلاف بين الموارنه والدروز والعلويين واهل السنة والشيعة وأوحت بانها (الأم الرؤوم للبنان المسيحي!).. ثم نهض تلميذ آخر وقال: لعل تاريخنا العربي نفسه لا يخلو من ذلك حين توسعنا في الفتوحات وحكمنا شعوباً أخرى، فاضاف الاستاذ المجايري بأن كل الحكام المستبدين والدكتاتوريين والثيوقراطيين (وفسر لنا يومها معناها) يستعينون بهذه السياسة لكي يُحكموا قبضتهم على (رعيتهم) بتشجيع النعرات الدينية والعشائرية حتى يغرق الناس في مسلسل العداوات البغيضة وينشغلوا عن المطالبة بحقوقهم أو تقدم بلادهم..
ترى ما الذي جعلني أتذكر هذا كله الآن ؟ كتابان قرأتهما مؤخراً والمؤلفان بريطانيان لكنّ لكل منهما رأياً يتناقض مع الآخر في هذه السياسة ولمعرفة السبب لا بد من بعض المعلومات عنهما، فالأول مارك كيرتيس هو الصحفي والمستشار الذي عمل سابقاً زميلا في المعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتام) ففي كتابه (شؤون سرية) الصادر في عام 2010 الذي كرسه لفضح (تواطؤ بريطانيا مع الاسلام الاصولي) ردد كثيراً الاشارة الى سياسة بلده (فرق تسد) وأدانها ادانة كاملة، وله من قبل كتابان في قائمة الكتب الاكثر مبيعاً هما: (شبكة الخداع/ دور بريطانيا الحقيقي في العالم) و(اللاشعب/ الإساءات البريطانية السرية لحقوق الانسان)، والمؤلِّف الآخر السير أليك كيركبرايد ففي كتابه «قعقعة الشوك/ خبرات في الشرق الاوسط) الصادر في عام 1956 اتهم الحليفة(!) فرنسا بانتهاج هذه السياسة وذكر أنها كانت تعتمدها في التفريق بين الطوائف في لبنان وسوريا خدمة لاغراضها (كذا !).. وكيركبرايد هذا هو ضابط الاستخبارات الذي أُرسل ليلتحق مع لورنس بجيش الامير فيصل عام 1918 ثم امضى معظم حياته في خدمة السياسة الاستعمارية إذ عيّنه المندوب السامي في فلسطين التابع لوزارة المستعمرات كمعتمد بريطاني في شرق الاردن، وفي عام 1946 اصبح وزيرا مفوضا فوق العادة لدى المملكة الاردنية الهاشمية تابعاً لوزارة الخارجية البريطانية وفي عام 1951 نقل الى ليبيا.. وبذلك يتضح أن سبب التناقض بين الكاتبين ليس المرحلة والزمان !
وبعد.. إن مبدأ «فرق تسد» ليس جديداً في السياسة وسيبقى دائماً اسلوبا لا أخلاقيا تستخدمه القوى الغاشمة الى أن يرتقي وعي الناس فيفضحه ويجهضه !


عن الرأي الأردنية



تعليقات القراء
لايوجد تعليقات على هذا الخبر
أضف تعليق
اضافة تعليق جديد

الحقول التي أمامها علامة * هي حقول لابد من ملأها بالبيانات المطلوبة.

:
:
:
 
أخر الأخبار
اقرأ أيضا
استفتاءات
كيف تتوقع نهاية الاحداث الجارية في قطاع غزة؟



تابعونا على الفيس بوك