المزيد
أميركا.. وإشكالية التمدد العسكري

التاريخ : 04-05-2013 |  الوقت : 10:21:18

لم يتوقف المحللون عن دراسة ابعاد استراتيجية الامن القومي الاميركي الجديدة منذ اصدارها في اواخر مايو الماضي 2010 فقد ركَز معظمهم على مقارنتها بسابقتها في عهد ادارة جورج بوش الابن، ليبينوا كيف تختلف السياسة الخارجية والأمنية للرئيس باراك اوباما عن سلفه، فيما اختار بعض المحللين التركيز على التوجه العددي(Multilateral) لإدارة أوباما والتي تُشدد عليه الاستراتيجية في تصورها للعلاقات الدولية وعلى دور الولايات المتحدة في العالم، وهناك من ركَز على استقراء الرئيس اوباما لمكافحة الارهاب الدولي.
لكن هؤلاء المحللين لم يستوفوا بالدراسة والاستقراء الآلية التي طرحتها الاستراتيجية الاميركية الجديدة لمعالجة مشكلة التمدد العسكري الزائد «Military Over Stretch».
وهذا المفهوم ليس بالجديد بأدبيات السياسة الخارجية الاميركية. ويتخذ التمدد العسكري الاميركي عبر العالم اشكالا متعددة أهمها: الاحتلال الفعلي لأقاليم دول معينة، التدخل العسكري بصور متعددة في دول اخرى، الحرب على الارهاب وعلى الاسلام الاصولي وتنظيم القاعدة والقواعد العسكرية المنتشرة في انحاء الكرة الارضية، والانخراط في خطط باهظة الكلفة لبناء انظمة دفاع صاروخية وتطوير اسلحة فضائية وأخرى تقليدية.
تُشير الاستراتيجية الاميركية الجديدة الى استمرار الحرب ضد التطرف العنيف وتنظيم القاعدة، مع ما يصاحب ذلك من تمدد استخباري هائل في كل انحاء العالم واستخدام مكثف للطائرات بدون طيار فبعد ان كانت الولايات المتحدة تمتلك حوالي 2500 طائرة إبان حربها على افغانستان والعراق واليوم تمتلك اكثر من 12 ألف طائرة بدون طيار، إضافة الى دمج ادوات اخرى (الدبلوماسية، القدرات التنموية، التحالفات، والشراكات الاقليمية والدولية) بالإضافة الى القوة العسكرية التي تعتبر الذراع الاقوى في التأثير والإقناع والاحتواء.
بالمقابل لم تُشر الاستراتيجية الجديدة الى القواعد العسكرية الاميركية المنتشرة في انحاء الكرة الارضية والتي تُقدر ما بين (761-800) قاعدة وحسب تقديرات وزارة الدفاع الاميركية/البنتاغون.
إذا استثنينا القواعد العسكرية في كل من العراق وأفغانستان والذي يصل عددها الى اكثر من 120 قاعدة عسكرية، والتسهيلات العسكرية السرية في الفلبين وإسرائيل ودول الاتحاد السوفيتي السابق.
بالمقابل هناك قوات عسكرية ضخمة متواجدة في هذه القواعد يصل عددها الى اكثر من 460 ألف جندي تصل كلفة الاحتفاظ بهم وتدريبهم الى اكثر من 2,5 تريليون دولار سنوياّ، وفي الحقيقة فإن الولايات المتحدة تحتفظ بوجود عسكري وفي صور متنوعة فيما يزيد عن 150 دولة حول العالم، دون الحديث عن ان البنتاجون يقسم العالم الى ست قيادات عسكرية ذات هياكل تنظيمية ومالية واضحة هي: القيادة الشمالية,القيادة الجنوبية,القيادة الاوروبية، القيادة المركزية القيادة الافريقية، وقيادة المحيط الهادي.
كما تنخرط المؤسسة العسكرية الاميركية في تطوير اسلحة تقليدية فائقة الدقة للحفاظ على التفوق العسكري التقليدي وفقا للإستراتيجية الحديثة.
في الختام اقول ان التمدد العسكري الاميركي بهذا الحجم الزائد سيشكل تهديدا بحد ذاته للأمن القومي الاميركي ومستقبل القيادة الدولية الاميركية للعالم على الاقل من زاوية تكلفته البشرية والمالية الباهظة، فقد اقترب حجم الخسائر البشرية الاميركية في كل من العراق وأفغانستان من اكثر من 9000 جندي بالإضافة الى اكثر من50 ألف جريح يعاني معظمهم من اصابات خطرة وحالات نفسية وإحباط وقلق وهذه الخسائر لا تشمل المتعاقدين (شركات الامن الخاصة).
أما الكلفة المالية فقد تجاوزت حاجز 3 تريليونات دولار, ومن المتوقع ان تطلب الادارة رصد مزيد من المبالغ لهذا العام والعام القادم لمواجهة تداعيات الملف النووي الايراني والكوري وثورات الربيع العربي في الشرق الأوسط مما يجعل الميزانية الاميركية اكبر من أي ميزانية عسكرية اميركية منذ الحرب العالمية الثانية، وقد القى ذلك بأعباء بالغة على الاقتصاد الاميركي الذي يرزح تحت دين عام فاق 17 تريليون دولار في شهر تموز 2012، ومع ذلك فإن تركيز الاستراتيجية الاميركية في بُعدها الخارجي على مفاهيم التعددية والشراكة الشاملة والمستدامة مع الحلفاء والأصدقاء، والتعاون مع مراكز النفوذ الجديدة في العالم والانخراط مع الامم والمؤسسات والشعوب والقوة الذكية(دمج عناصر مختلفة من المقدرات الوطنية سواء كانت دبلوماسية او تنموية او عسكرية واستخدامها بفعالية) قد يخفف من تكلفة هذا التمدد العسكري الزائد على المدى الطويل.


عن الرأي الأردنية



تعليقات القراء
لايوجد تعليقات على هذا الخبر
أضف تعليق
اضافة تعليق جديد

الحقول التي أمامها علامة * هي حقول لابد من ملأها بالبيانات المطلوبة.

:
:
:
 
أخر الأخبار
اقرأ أيضا
استفتاءات
كيف تتوقع نهاية الاحداث الجارية في قطاع غزة؟



تابعونا على الفيس بوك