هل المطلوب حقا أن تفقد أمتنا الذاكرة، وينسخ من الرؤوس العقيدة والجغرافيا والتاريخ والهوية؟، فرجوعاً إلى التاريخ والاستماع إليه يقول : إن العرب مادة الإسلام في خطر، وسيستمر حتى لو إنكمشت الأرض كلها بأقل من مربع واحد وتخلت عن عبقريتها، والتاريخ لو انتزع من سطور الورق الأصفر الباهت .
هل المطلوب والمراد، أن تمسح الأسماء من العقول والقلوب، ولا تنطق الالسن ببنت شفة، عن اليمن السعيد وجزيرة العرب، الهلال الخصيب وبلاد الشام، مغرب العرب وبلاد الأندلس وأن لا نقول خلفاء راشدين، لا خالد ولا عمرو، ولا سعد ولا قعقاع ولا مثنى، ولا هانيبال في القدم وصلاح الدين آخر من سجل التاريخ، وأن لا نقول شعرا ولا نثرا ولا أدبا؟ ونطمس تحت التراب كل هذا، فلا شعر لمعلقات في سوق عكاظ ولا ملاحم ولا بطولات، فلا متنبي ولا بحتري ولا فرزدق ولا أبوتمام، ولا أمير للشعراء اسمه أحمد شوقي؟.
المراد بهذه الأمة الشرذمة والاستسلام، القيادة والانصياع، العودة للرق والعبودية، المراد أن نكون مستهلكين للأطعمة الفاسدة، وإن آكلها هالك لا محالة،رغم أنف الطب والدواء، وأن نوصم بعار الجهل والتخلف، ويقال قومٌ انزلهم الله من الرفعة إلى المذلة، بما صنعته انفسهم، وأنتجته عقولهم وفعلوه بأيديهم، وهرولت إليه أقدامهم ( كالعطاش ترد الحياض فتدحر بعضها ) .
هل يا ترى أن جغرافيتنا هي التي صنعت تاريخنا ؟!!، حيث تكالبت الأمم على نهب خيراتها، فكل ذرة تراب بها معدن ثمين، وكل قطرة ماء فيها عذب فرات، وكل بحر يصل بحرا أومحيطا، وكل مكتشف يكتشف ينقذ إنسانية العالم، من الجوع والهلاك لسنين وإن طال الأمد، فالعجب في هذا الزمان أن ليس الميت من كان منفوخ الخواصر مرفوع القوائم، بل من كان حيا يسير على قدميه، وهو في عداد الأموات محسوبا، ولا على الأقل كالثعلب يموت حيلة ليخدع وينتزع طعامه.
هل المراد أن تعيش الأمة بلا ذاكرة، وتبذر بذور الفرقة والفتنة والشحناء والبغضاء والكراهية، بدلا من بذور الحنطة والثمار لتخضر الأرض ويعلو زرعها ويغدق شجرها أيكا ظلا ظليلا، ثم زيتونا ونخلا وعنبا وتينا، فيورث أمنا آمنا وعيشا هنيئا، قرة للعيون وراحة للقلوب؟ .
ثم إنه وبدون حرج من أحد، ولا عتب على أحد، شتان بين أجيال عاشت في جو قيود الطاعة من أب آمر ناهٍ حاكم بالمطلق، مهاب الجانب توقيرا واحتراما، لا خوفا ولا إرهابا، حبا وقناعة إيمانية، وخشوعا بدافع عادات وتقاليد فاعلة مهذبة رائعة، وبين اجيال نشأت وعاشت في جو الحرية والتجديد في أنماط الحياة، فذاك جيل الماضي العتيد العنيد، وهذا جيل الحاضر الممتد للمستقبل، وكلا الجيلين سيسألان عن مخزون الذاكرة . حمى الله الأردن وشعبه ومليكه.
عن الدستور الأردنية