الطريق نحو الإصلاح في الأردن ليس مفروشا بالورود، بل أن هنالك كلفة سياسية واقتصادية سيتم دفعها في سياق التغيير الحتمي في بعض السياسات وطرق اتخاذ القرار في الدولة. مشكلتنا أننا نحاول دائما التركيز على المكاسب التي نريد تحقيقها من الإصلاح ونطالب بها يوميا ولكنا لا نعرف بالضبط ما هي الكلفة المطلوبة.
هذا يرتبط ايضا بعدم وجود رؤية واضحة أصلا لماهية الإصلاح المطلوب. على سبيل المثال فإن طيفا واسعا من النشطاء السياسيين والحزبيين يحملون مواقف متباينة في موضوع الإصلاح الاقتصادي مثلا ما بين جهات تطالب بعودة الدولة إلى ممارسة دور الرعاية الشامل والمتواصل للشعب من خلال الخدمات العامة والدعم للسلع الرئيسية وتقديم الوظائف الحكومية بينما يطالب تيار آخر بتحقيق تحول جذري نحو انسحاب الحكومة من نمط الدولة الريعية إلى تحقيق الظروف المناسبة للإنتاجية الذاتية.
أما على الصعيد السياسي فالرؤية أكثر تعقيدا. البعض يطالب بقانون انتخاب “أكثر عدالة وتمثيلا” يتحول من الصوت الواحد إلى القوائم الحزبية وزيادة نسبة تمثيل المدن، ولكن حتى في هذا السيناريو هنالك كلفة سياسية لا يستهان بها. في حال تم التحول من الصوت الواحد ووجود حوالي 100 دائرة انتخابية محلية صغيرة نحو قوائم وطنية في دوائر انتخابية أوسع فهذا يعني إلغاء ودمج بعض الدوائر الانتخابية. من سيحدد هذه الخيارات وما هي الدوائر التي ستتعرض للدمج وبالتالي تخسر ما يعتبر مكتسبا سياسيا واجتماعيا لها؟ كل هذه التفاصيل يجب مناقشتها بطريقة عقلانية وواضحة ومباشرة وليس عن طريق الشعارات المرفوعة في المظاهرات ومواجهتها بالعصى !
من الواضح أن الدولة تعاني من نقص كبير في الإيرادات العامة وعجز في الموازنة وتراجع في نوعية وشمولية الخدمات العامة. في البرلمان يطالب كل نائب بخدمات انتخابية ترهق موازنات دول عظمى والحكومة مضطرة لتقديم وعود مؤجلة وتقديم وظائف للنواب مقابل الثقة، وهذا كله يعني استنزاف الخزينة العامة. بالنسبة للراي العام فالحل يكمن في مكافحة الفساد واستعادة الأموال المنهوبة وهذا أمر ليس بسيطا لا سياسيا ولا قانونيا في سياق عدم وجود إرادة كافية أو حتى أدلة في حال توفر الإرادة. الخيارات المتاحة للدولة قليلة جدا فالرأي العام يطالبها بالمزيد من الدعم والتوظيف ولكنه أيضا يطالبها بالإنسحاب من الحياة السياسية والأمنية وهي معادلة صعبة وتبدو متناقضة في مضمونها.
الاتكالية على الخارج كانت هي الخيار الأسرع ولا زالت حيث البحث عن أحلام الإنضمام لدول مجلس التعاون أو الحصول على مساعدات مالية كبيرة. حتى المساعدات أصبحت مشروطة بقرارات صعبة من قبل الدولة في تقليل النمط الريعي وتقليل الفساد ولاحظنا كيفية تحول المساعدات الخليجية من إيداعات نقدية إلى ربط بمشاريع تنموية وتقارير تقدم في سير العمل، وكذلك الأمر في المساعدات الدولية التي تشترط تنفيذ توصيات صندوق النقد الدولي القاسية والصعبة اقتصاديا وأمنيا ايضا.
الإصلاح ليس قرارا سياسيا، وليس قانون انتخاب وليس محاكمة فاسدين بل خيار اجتماعي شامل للدولة ويجب أن يكون هنالك اتفاق واضح على كيفية تنفيذه. كلفة الإصلاح يجب أن يتم تقاسمها بعدالة بين الدولة والمجتمع وأن يتم ذلك ضمن سياق حكومات تتمتع بالثقة والكفاءة وتستطيع أن تحمل مسؤولية القرارات الصعبة. بدون ذلك سيحاول كل طرف أن يقذف بالعبء على الآخر كما يحدث الآن حيث تستهدف الحكومات جيوب المواطنين لسد العجز، ويطالب المجتمع الدولة بتحمل المسؤولية كاملة وبطريقة اتكالية. هذه ليست وصفة للإصلاح.
عن الدستور الأردنية