لا يمكن فضّ التوترات الطائفية والعنصرية في البلد الواحد, ببوس اللحى, أو بالحديث المكرور المعاد عن الوحدة الوطنية. وها هم اللبنانيون يبوسون اللحى منذ عام نيسان 1975 حتى الان, مروراً بمعركة البوس في الطائف, الى زميلتها في الدوحة, الى آلاف الوساطات السعودية والسورية - الفرنسية, وبقيت التوترات قائمة تبحث عن سبب لاشعال فتيل الصراع!
في القاهرة, سقط حتى الان وفي يومين عشرة قتلى مسيحيين اقباط, ومسلم واحد واستغرق الصراع في الشوارع المحيطة باحدى كنائس عاصمة المعز يومين. كان فيها الامن موجوداً ولكنه كان يأخذ مكانه دون أن يدخل العراك لفضّه, ودفع الفريقين المتحاجرين عن بعضهما البعض, وكأن المطلوب هو الحضور الامني وليس فرض الامن في الشارع.
لقد طيّب الجمهور المصري الطيب خاطر الاقباط بتظاهرة امام الكنيسة, ورفعت المصاحف والصلبان وكانت الهتافات تدفع البعض الى مسح دموعه من التأثر. وصرّح رئيس الجمهورية بأن الاعتداء على الكنيسة هو اعتداء عليه شخصياً. لكننا نصّر على ان بوس اللحى, والكلام العاطفي عن الوحدة الوطنية لا يغيّر شيئاً. فالفكر الديني يستثير الفكر الديني, ويستثير الفكر المدني, والاتجاهات العنصرية تستثير الاتجاهات الاخرى في مجتمع الاديان, والمذاهب, والعناصر المختلفة!
هذه من طبائع الامور. وقد هالنا وجود عشرات الفضائيات التابعة للمجموعات الدينية في مصر.. وهذه العشرات تبث أربعاً وعشرين ساعة. ولا بد أن يقع الناس مهما حاذروا في خطأ.. ولو واحد كل يوم, لينتهي الاسبوع على كومة من التحريض ضد الاقباط, وضد الاحزاب المدنية, وضد الليبرالية, والاشتراكية والقومية!
الامة, بوحدة المصالح فيها والمصير. ليست مجموعة أناس لهم عقائد متضاربة, وأفكار متضاربة.. نزعم أن الديمقراطية تتولى وحدتهم الوطنية. خاصة اذا فهمنا أن الديمقراطية هي صندوق الاقتراع فحسب.
لقد وجد الاوروبيون في ثورات عام 1848 أن الوصول الى الوحدة الروحية والفكرية والمصيرية في الامة, لا يتم الا بفصل الدين عن السياسة وعن مفهوم الدولة. ووضع رجال الدين حيث هم في كنائسهم ومعابدهم, وحاصروا سلطة بابا روما داخل اقل من كيلومتر مربع واحد في الفاتيكان. وبهذا نشأت الدولة المدنية.. بأحزابها المختلفة, وبصراعات الافكار والعقائد داخل بوتقة الدولة الديمقراطية. المهم أن أحداً لا يستعمل الله والدين والانبياء في طروحاته السياسية!
ونعود لمصر, ولبنان, وسوريا, والعراق فنقول: إن سبب الانحطاط السياسي للدولة هو الصراعات المذهبية والعنصرية والدينية على الهيمنة في مجتمع متعدد. وبدل أن يكون التنوع هو صفة الدولة الناهضة, وضعنا الدولة موضع الغنيمة في قتالنا على امتلاكها!
كان أحد الحكماء يخاطب اللبنانيين بقوله: اقتتالكم على السماء أفقدكم الارض. ونقول بلا ادعاء الحكمة: واقتتالكم على الارض افقدكم السماء!
عن الرأي الأردنية