حين يظنُّ الحضيض نَفْسَهُ قِمَّةً
التاريخ : 01-04-2013 |
الوقت : 12:17:47
|
عندما كُنتُ طالباً في قسم علم النفس، في الجامعة الأردنيَّة، كان مِنْ متطلَّبات الدراسة لذلك التخصُّص تمضية فصل أو أكثر في الدراسات التطبيقيَّة؛ حيث يتابع الطالب، طوال الفصل، حالة مريض ما، ويقدِّم بشأنها تقارير منتظمة لأستاذه، ثمَّ يختم ذلك بكتابة تقريرٍ أشمل في نهاية الفصل. وكنّا نجري تلك الدراسات إمَّا في مستشفى الفحيص أو في مستشفى اليادودة أو في القسم النفسيّ للمدينة الطبيَّة أو في مستشفى الكرامة. وقد تسنَّى لي، آنذاك، أنْ أزور معظم تلك المراكز النفسيَّة العلاجيَّة وأطَّلع على أحوال المرضى فيها وأساليب علاجهم. وأذكر أنَّني تعرَّفتُ على حالة مريض ذهانيّ في مستشفى الفحيص كان متَّهماً بجريمة قتل إلا أنَّه كان يعتقد أنَّه لم يقتل سوى أرنب؛ ولذلك، كان يشعر بالظلم الشديد لأنَّه تمَّ حجزه لمدَّة طويلة في ذلك المستشفى لمجرَّد أنَّه قتل أرنباً! لكنَّ دراستي التطبيقيَّة الأساسيَّة كانت في مستشفى الكرامة؛ حيث كُلِّفتُ بدراسة حالة مريضٍ كان يعتقد أنَّه أنس بن مالك، ولم تكن ثمَّة فائدة مِنْ محاولة إقناعه بأنَّه مجرَّد رجل مريض وليس أنساً بن مالك. وكان، مع ذلك، مثقَّفاً وقارئاً جيِّداً؛ ولذلك، فكلّما زرته في المواعيد المحدَّدة لأغراض الدراسة، كنَّا نجلس معاً ونتحدَّث طويلاً في موضوعاتٍ ثقافيَّة وفكريَّة مختلفة؛ لكن شرط أنْ أسلِّم بأنَّه أنس بن مالك وأتعامل معه على هذا الأساس. لقد تناول الأدب، كثيراً، مثل تلك الحالات المرضيَّة التي يعيش أصحابها في الوهم؛ بل من المعروف أنَّه كان حقلاً خصباً لدراسات روّاد علم النفس الأوائل، خصوصاً مؤسِّس مدرسة التحليل النفساني سيغموند فرويد الذي استفاد كثيراً مِنْ روايات الأديب الروسيّ الشهير فيدور ديستويفسكي وكان يعتبر روايته "الأخوة كرامازوف" أهمّ رواية في التاريخ الأدبيّ كلّه، كما أنَّه خصصّ لها إحدى دراساته النفسانيَّة. وأتذكَّر، هنا، أديباً روسيّاً آخر كتب قصَّةً مهمّة ذات موضوع نفسانيّ، هو انطون تشيخوف؛ وقصَّته، تلك، هي "الراهب الأسود". وهي تتضمَّن أفكاراً عميقة جدّاً وخطيرة بالآفاق المعرفيَّة التي تفتحها بطريقة ذكيَّة جدّاً على التاريخ المثيولوجيّ البعيد. في القصَّة، ثمَّة عالم ومفكِّر، له احترامه وتقديره في وسطه الاجتماعيّ، كان يلتقي بانتظام راهبا غامضا بملابس سوداء، فيتناقشان باستمرار في مواضيع فكريَّة جوهريَّة، ويتبادلان أفكاراً عميقة وذكيَّة. وكانت جلسة هذا المفكِّر العالم مع ذلك الراهب لا تعدلها، بالنسبة له، في متعتها، أيَّة جلسة أخرى مع أيّ إنسانٍ آخر؛ وذلك للمستوى العميق للأفكار التي كانا يتداولانها (ويشتقَّانها) فيها. لكن المشكلة، هي أنَّ الراهب وحده هو مَنْ كان يقرِّر متى يلتقيان وأين؛ حيث كان يأتي دائماً مِنْ دون موعدٍ مسبق. ولقد سارت الحال على هذا المنوال، إلى أنْ استيقظتْ زوجة العالم، ذات ليلة، فوجدته يتحدَّث مع نفسه حديثاً طويلاً مسهباً يتضمَّن أفكاراً كبيرة عجزتْ عن فهما، فأخبرت ذويها، فراح هؤلاء يضغطون عليه للذهاب إلى طبيب نفساني، وفي النهاية أُضطرَّ لتلبية طلبهم، فشخَّص الطبيب حالته، ووصف له بعض العقاقير. وما حدث، بعدئذٍ، هو أنَّ الراهب كفَّ عن زيارته؛ الأمر الذي أزعجه كثيراً؛ فحاول بكلّ السبل التي تفتَّق عنها ذهنه أنْ يستقدم الراهب؛ لكن مِنْ دون جدوى؛ عندئذٍ، تحوَّل مِنْ إنسان وديع، مسالم، متصالح مع نفسه، ومحبّ لأصدقائه وذويه وزوجته، إلى إنسانٍ قلق، عدوانيّ، ومثير للمشاكل لكلّ مَنْ حوله. ردَّتْ زوجته وذووها على هذا التحوّل السلبيّ الكبير الذي طرأ على شخصيَّته، بالمزيد من الاستعانة بالطبيب، وهذا استعان بالمزيد من العقاقير. فساءت حالة الرجل أكثر وأكثر إلى أنْ فارق الحياة. تذكَّرتُ، الأسبوع الماضي، كلّ هذه الحالات النفسانيَّة لمرضى يعيشون في الوهمّ، سواء منهم مَنْ عايشتُ حالاتهم أيَّام دراستي الجامعيَّة، أو أولئك الذين عايشتهم في الأدب أو في الحياة؛ ومِنْ وحي هذه الاستعادة الغريبة، كتبتُ: "يحدث، أحياناً، أنْ يظنَّ الحضيض نفسَه قِمَّةً. وتلك هي قمَّةُ السفاهة". حقّاً إنَّه من الصعب أنْ نتخيَّل ماذا يمكن أنْ يخطر في بال إنسان مريض!
|
|
عن العرب اليوم
|
تعليقات القراء
لايوجد تعليقات على هذا الخبر
أضف تعليق