فلسطين.. مزارع رهن الاعتقال
وكالة كل العرب الاخبارية :
في كثير من الأحيان يجد المزارع الفلسطيني في الضفة الغربية نفسه حبيس حلم أرض تربى على حبها، وتعذر عليه حتى أن تطأها قداماه بعد أن قطع المحتل كل الطرق التي توصله إليها ورمى به خارجها.
لم يكن يدرك المزارع حسن عيسى من بلدة الخضر جنوبي الضفة حين استولى أحد المستوطنين على أرض بجانبه في منطقة "عين قسيس"، أنه سيعيش كابوسا حقيقيا وحالة من الاستنفار كلما أراد أن يزور أرضه التي ورثها عن أبيه.
فقد رافق هذا الكابوس، عيسى، منذ أكثر من 13 سنة، من خلال سلسلة من الاعتداءات عليه من قبل المستوطن الذي يدعى "حنان"، فقلعت أشجار العنب والزيتون والمشاتل من أرضه أمام عينيه.
ويقول عيسى لـ"سكاي نيوز عربية": "حاول هذا المستوطن قتلي وطردني من أرضي وترك الكلاب تهاجمني عشرات المرات، واقتلع شتلات الزيتون والعنب".
وأضاف: "آخر اعتداء تعرضت له قبل أيام عدة عندما اعتدى علي (حنان) برفقة 4 من معاونيه وحطموا معداتي الزراعية".
وينتقل عيسى من التحسر على أرضه المنهوبة إلى حسرة أكبر، وهو يجول بنظره في المكان الذي ضرب عليه طوق من المستوطنات المجاورة.

فشتان ما بين أرضه المعتقلة المستباحة وغرفتة الصغيرة التي تتشبث بأذيال الأرض المصادرة. وهي مصنوعة من ألواح حديدية، ويستخدمها لتخزين معداته الزراعية. وبين المستوطنات التي تضيق الخناق عليهم والتي باتت مدينة زراعية، فيها حظائر أغنام ومزارع عنب وأشجار زيتون وتين، وبيوت منتقلة وأخرى ثابتة وطرق معبدة وكهرباء وماء، وهى أحلام بعيدة عن أهداب المزارع الفلسطيني.
كيد الكيل بمكيالين
ويستعيد عيسى شريط معاناته بعد أن اقتلع من أرضه، مردفا: "أنا هنا منذ أكثر من 60 سنة، وامتلك 5 دونمات (5 آلاف متر مربع)، ولم أستطع بناء غرفة صغيرة لوضع معداتي الزراعية فيها، لكن المستوطن الذي جاء إلى هذه المنطقة في عام 2002، استولى على 5 دونمات زراعية ووضع بيت متنقل (كرفان)، وقد استولى اليوم على أكثر من 500 دونم (50 ألف متر مربع)، وبنى شققا سكنية ووصلته الماء والكهرباء كما تعبد الطريق".
ولا يستطيع المزارع عيسى زيارة أرضه التي ورثها أسرته إلا برفقة أولاده الستة، قائلا: "سنقاوم قمع واعتداء المستوطنيين بزراعة الأرض، وسنبقى نعمل فيها حتى لو قتلنا جميعا فداء لها".
ويحظى المستوطنون الذي يعتدون على أراضي المزراعين في الضفة بحماية دائمة من الجيش الإسرائيلي،
وهذا ما حدث مع المزارع سعيد موسى عبد (78 عاما) من بلدة الخضر. فبعد أن زرع أكثر من 100 شجرة زيتون قبل مدة، قام بعض المستوطنيين بقلعها وإلقائها في القمامة.

وقال المزارع سعيد في اتصال بسكاي نيوز عربية "إن كل شخص يأتي لزراعة أرضه أو فلاحتها يعرض نفسه للخطر، خاصة أن المنطقة مراقبة عبر كاميرات ركبها المستوطن بحماية ومساندة من الحكومة الإسرائيلية وجيش الاحتلال، كما أن لديه عصابات مسلحة تأتي إلى هنا لتآزره".
وأضاف سعيد الذي يمتلك (17 دونما) مجاورة للأرض التي نهبها حنان، أنه حين تقدم بشكوى على هذا المستوطن لدى مركز الشرطة الإسرائيلية في مجمع "غوش عتصيون" قرب بيت لحم لم يتم مراجعته أو محاسبته على اعتداءاته ومصادرته لأراضي المزارعين الفلسطينيين".
وقد ذهب سعيد إلى أبعد من ذلك بقوله "هذا المستوطن يمثل حكومة قائمة على أراضي المزارعين الفلسطينيين، ولديه كل شيء للحماية العسكرية، فضلا عن الكهرباء والماء، بينما يواجه المزارع الفلسطيني البسيط صعوبات كبيرة في زرع أو حصد محصوله الزراعي".
اعتداءات تشرعها ادعاءات
ويدعي "حنان" أن منطقة "عين قسيس" تسمى في العرف التوراتي "بيت القمح"، ويطمح إلى إقامة معبد يهودي في المنطقة بعد قرار الحكومة الإسرائيلية بتحويل البؤرة الاستيطانية التابعة للمستوطن حنان إلى مستوطنة رسمية واعطائه التراخيص اللازمة.
وتقع هذه المستوطنة في منتصف أراضي المزارعين وتشكل خطرا على أكثر من 80% من أراضيهم، وتهديدا مباشرا على حياة أكثر من 200 مزارع يزرعون أراضيهم ويعتاشون منها.
وقد كثف حنان اعتداءاته المتكررة على المزارعين الفلسطينيين خلال الأشهر القليلة الماضية، ورغم وجود عدة قرارات من محكمة العدل العليا الإسرائيلية تقضي بوقف البناء في المستوطنات، فإن ذلك لم يثن حنان عن الاستمرار في البناء وإنشاء شقق سكنية جديدة.

وأظهرت الصور الأخيرة التي التقطت للمستوطنة وجود أعمال بناء فيها، وفي هذا الإطار قال منسق لجنة مقاومة الجدار الفاصل والاستيطان في الخضر أحمد صلاح،"إن هذا البناء مخالف للقانون وحتى القانون الإسرائيلي، لاسيما أن هناك قرارا من محكمة "بيت آيل" قرب رام الله، والمحكمة العليا الإسرائيلية يمنع المستوطن حنان من إجراء أي تعديل أو بناء أو توسع في منطقة "عين قسيس".
وبدوره قال رئيس بلدية الخضر توفيق صلاح "إن هذا البناء غير قانوني ومخالف للقوانين الإنسانية والدولية، وهذه سياسة الحكومة الإسرائيلية الاستيطانية التى تقوم على السماح للمستوطنين بالبناء على الأرض الفلسطينية".
توق لكسر الطوق
وقد حاولت وتحاول جمعيات فلسطينية أن تدافع عن الأراضي الزراعية المهددة بالمصادرة من خلال جلب متطوعين ومتضامنين من مختلف أنحاء العالم، لمساعدة المزارعين الفلسطينيين الذين يقومون بزراعة أشتال العنب والزيتون، حيث تحمل كل شجرة أو شتلة أسم المتضامن الأجنبي وبلده الذي جاء منه في محاولة لمنع حنان من اقتلاعها أو تخريبها.
وعلى خط المواجهة يقف أصحاب الأرض المنهوبة مشهرين عقود ملكيتها ومستندين إلى القوانين الإنسانية في وجه قوى مسلحة بقانون وضعته على مقاسها، متجاهلة كل الشرائع والقيم الإنسانية.