على أساس من التسامح والوسطية والعدالة، أقام الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (رحمه الله) دولة الإمارات، من خلال ترسيخ الإيمان بالسنَّة الكونية في التنوع، تلك السنَّة الداعية دومًا إلى تحقيق الرحمة والعدل والإحسان، والأمن والسلام بين الناس، فضلًا عن فتح آفاق الحوار مع الجميع بالمنطق الحضاري المستنير.

إن الدعوة إلى التسامح والالتزام بهذه القيمة، أو الترويج لهذه الفضيلة العظمى، ليست دعوة إلى تطبيق قيمة واحدة مجردة لذاتها، وليست تحليقًا خارج السرب، أو آلة موسيقية نشازًا تعزف بمفردها، بعيدًا عن بقية أخواتها، بل هي تمثل التعاطي مع مفهوم التسامح بكل أبعاده الإنسانية، ورؤاه الأخلاقية، المتمثلة في قيم السلام والعفو والصفح، فضلًا عن التعايش من أجل السلام والتضامن الإنساني، من دون تفريط في القيم الإنسانية الأصيلة، واللمسات الحانية للبشر في كلِّ مكان في العالم.

وليس بخافٍ على ذي لُبٍّ أن إشاعة ثقافة التسامح تخلق مناخًا دينيًّا وسطيًّا ربانيًّا، قادرًا على أن يغير مجرى التاريخ، وقد أسهمت الإمارات في صناعة مشروع "إنسان متسامح"، وهو ذلك الإنسان الحر القادر على امتلاك رؤية استشرافية للمستقبل، وخطة مدروسة للنهوض بأعباء المرحلة التي يتحرك من خلالها؛ لأن هذه المميزات الأخلاقية تجعله يمتلك حصانة نفسيّة ضدَّ التطرُّف والعنف.

إن قيمة التسامح تنطوي في مضمونها على رفض كل دعوات الاستعلاء العرقي والمذهبي والثقافي، كما إنها تعرّي الزيف، وتنزع الظلم، كما تزرع التنوير والأمل، والاستثمار في تعدُّد الرؤى وتباين النظر؛ من أجل إثراء الحياة، وتحقيق تنمية وطنية شاملة.

لكن تحقيق التسامح يعترضه الكثير من العوائق الأساسية التي تعتبر حجر عثرة للتسامح بكل ما فيه من أوجه الخير، فهو مظلة الأمن والسلم؛ ولذا فإن التسامح لا بدَّ ألا يتعارض مع الحس الإنسانى الطبيعي، فلا يصحُّ أن نضحي بهذه القيمة العليا خشية علماء الغلو الذين حاولوا- بتعمُّدٍ مقيت- حجب الحقائق، والتضييق من حجم التسامح، والأخذ بالرأي الديني الأكثر تشددًا وقسوة، بما ينافي فقه الواقع والضرورة، والثابت والمتغير في الشريعة، وتهميش الجانب المضيء من التشريع، حيث "التيسير والمرونة" في الأحكام.

وفي هذا السياق، لا بدَّ من تفعيل مبدأ التسامح مع المرأة، وإيلائها كلَّ الاهتمام، والعمل على تحسين أحوالها، من أجل "الكرامة الإنسانية"، ومجانبة الظلم وعدم المساواة الذي تتعرّض له في أوضاعنا الراهنة، والمسافة التي تفصل واقعنا المعيش عن سماحة الدين الإسلامي العظيم.

إن الاستقطاب الطائفي يشكل أكبر معول هدم في تقويض جدران الدولة الوطنية، وتحجيم مساحة التسامح، وذلك من خلال إثارة النعرات الطائفية، لتنصهر المجتمعات في قوالب من الكراهية، كما أنه لا يمكن إحلال السلام والأمن الوطني بدون غرس قيم التسامح بكل تجلياته القيمية بين الأقليات، فلن يتحقَّق التسامح إلا بلغة "التوافق والحوار المشترك"، فالتجانس الإنساني ضرورة ملحَّة لبناء حضارة الإنسان، وترسيخ قيم التعاون والسلام.

كما أن "الانفتاح على الثقافات" يعتبر مرآة عاكسة للتسامح في أرقى تجلياته، وقد لا تستقيم جوانبه الأخرى بدون استدعاء أعمدة الشراكة الإنسانية (الثقافة والأدب والفنون)، وبهذه المنطلقات تستطيع الأمم والمجتمعات بناء عالم أكثر أمنًا وعدالة.

وعلينا أن نعترف بأن التسامح ليس قيمة واحدة، بل هو منظومة من القيم الأصيلة والمتماسكة، كما لا يمكن استتباب الأمن، أو ترسيخ الحرية، أوالشعور بالكرامة، بدون الانفتاح على الأبعاد الأخلاقية والسلوكية لقيم التسامح.

وإننا كمواطنين إماراتيين نحمد الله على ما حبانا به من حكمة تحلى بها قادتنا، فالشواهد كثيرة على الثقة الدولية والمصداقية التي تحظى بها السياسة الإماراتية النزيهة في حلِّ الصراعات الشائكة؛ تلك السياسة التي ترفدها إرادة قوية في تحقيق التسامح والسلم والأمن للشعوب الصديقة.

فمن المعلوم لكل متابع أن السياسة الخارجية الإماراتية نجحت في الترويج للاسلام السمح عالميًّا، وهو نوع من الثقافة الإنسانية تتسم بالروحانية والتسامح، والرحمة للعالمين، كلّ هذه القيم تمثِّل جوامع من الخير حفظت الإمارات وشعبها من كلّ نوائب الدهر ومصائبه، وبالخير نزعت الإمارات فتيل الكراهية، وأغلقت بالتسامح باب التعصب، فالتاريخ شاهد عبر مراحله بأنّ الأمن والأمان هبة إلهية للشعوب الخيرة، وهذه المعايير باتت مطلبًا مهمًّا للمسلم المعاصر، هذا إذا كنّا فعلًا نريد الحياة أو العيش الآمن الهادئ البعيد عن العنف والظلم والقهر.

ولا أشك لحظة بأن شعوب هذه المنطقة ستحفظ هذا الجميل والفضل للإمارات وقيادتها، من خلال قوتها الناعمة في إصلاح الكثير من الخلل والعطب الحاصل في العلاقات بينها، انعكست قطعًا على بناء ثقافة جديدة مقبلة على الحياة والسعادة والإيجابية، وقبول الآخر.

إن إرساء قيمة التسامح لا يمثِّل استراتيجية حكومية فحسب، بل هو ثقافة ومسؤولية وطنية بحتة، يحتمها ذلك الإرث العظيم الذي يقع على كاهل الإنسان الإماراتي، لأجل العمل المضاعف، والجهد المكثَّف لتحقيق إسهامات كبرى نحو الرقي والتقدُّم، ونشر رسالة الخير والإنسانية.