المزيد
احترسوا القطار الليبي يرجع إلى الخلف

التاريخ : 12-06-2021 |  الوقت : 08:52:32

وكالة كل العرب الاخبارية



على غرار العبارة العربية الشهيرة التي كانت تطلقها بعض السيارات عند عودتها إلى الخلف لتنبيه المارة يتداول الليبيون الآن المضمون ذاته مع تحريفه قليلا لزوم السياق لتنبيه المواطنين والسياسيين بأن الأزمة التي شهدت انفراجة في بداية العام تعود إلى مكانها ويمكن أن تجرف معها الجميع، حيث يستخدمون كلمة القطار بدلا من السيارة كدليل على الخطورة الكبيرة التي تنطوي عليها العودة هذه المرة.

يعتقد ليبيون أن العشوائية الطاغية لن تسمح لبلدهم بتخطي التعقيدات التي تمر بها الأزمة، وما يوصف بالتهاون في التعامل معها من قبل البعض لن يمكّن أحدا من تنفيذ خارطة طريق رسمها اجتماع جنيف في فبراير الماضي وتمخض عن سلطة جديدة بشقيها الرئاسي والحكومي واصطحب معه تفاؤلا بأن المرحلة القاتمة جرى طي صفحاتها، وثمة مرحلة واعدة من الممكن البناء عليها.

ما يحدث الآن من ارتباكات عديدة يؤدي إلى عدم إجراء الانتخابات في موعدها، 24 ديسمبر المقبل، ويؤكد أن هناك دوائر تشجّع على عدم استمرار العملية السياسية في التقدم إلى الأمام وتريد تحقيق مصالحها من خلال الفوران الأمني، في محاولة ترمي إلى إعادة إنتاج تجربة فايز السراج الذي شكل حكومة مؤقتة لمدة عام قابلة للتمديد لعام آخر، واستمرت نحو خمسة أعوام واستخدمت ذرائع مختلفة لإطالة الفترة الانتقالية، وتحايلت على الكثير من الخطوات القانونية السليمة، وتغذت على الاحتقان كوسيلة للاستمرار في السلطة.

إذا لم تنتبه القوى الوطنية إلى أن القطار الليبي يخرج عن قضبانه ستجد نفسها تعيش الدوامة التي حالت دون التوصل إلى تسوية سياسية مبكرا، وأن التخبّط الحاصل في التعاطي مع توحيد المؤسسة العسكرية، والتلكؤ في خروج جميع المرتزقة، وعدم وقف التدخلات الخارجية بأنواعها، والتراخي في حسم الدور الذي تلعبه الميليشيات، كلها عوامل سوف تؤدي إلى تكرار مشاهد أدخلت البلاد في دوامة طويلة من العنف.

يعتقد البعض أن الرهان قائم على مؤتمر برلين الثاني في الـ23 من يونيو الجاري كأمل وحيد لضبط المسارات الخاطئة، وأن المجتمع الدولي سيتدخل بجدية لمنع الانحرافات الراهنة. وهو توقع قد يكون صحيحا إذا قرر المجتمع الدولي استخدام الأدوات التي تمكنه من محاسبة القوى التي تعرقل حل الأزمة وتستفيد من استمرارها مفتوحة.

حتى الآن لم نر تصوّرات واضحة للتعامل مع القوات التركية في ليبيا، وهي واحدة من الاختبارات القوية أمام مؤتمر برلين الثاني، لأنه من الصعوبة إجراء انتخابات وتأمينها وتنفيذ نتائجها في ظل وجود ما يشبه الجيوش في طرابلس المدعومة من أنقرة، ومن الصعوبة الحديث عن استقرار فيما العصابات المسلحة لا تزال تمارس نفوذها في الأماكن التي تتمركز بها، بما يجعل السلطة مكبلة في ممارسة مهامها.

الخطورة أن عناوين الأزمة معروفة، والضالعون فيها أسماؤهم تملأ وسائل الإعلام، ومن يقومون بمنع حلها ليسوا مجهولين، ومن الواجب أن يستهدفهم المجتمع الدولي بأدواته الصارمة طالما أنه قرر المضي في عملية التسوية السياسية حتى نهايتها، لأن الفشل سوف يكون من الصعوبة معالجته، حيث تتأكد عدم الجدية بما يسمح بكل من تلاعبوا أو يريدون التلاعب في الخفاء والعلن بتحقيق أهدافهم.

بدأ الحماس الذي أظهرته قوى متعددة لحل الأزمة يفتر، الأمر الذي يمنح الرافضين للعملية السياسية الجادة فرصة لوقفها، ويشجع المتربّصين بها على بذل المزيد من الجهود لضمان عدم إجراء الانتخابات أو الموافقة عليها في أجواء غير مواتية، تتمخض عن سلطة عرجاء تمثل عبئا أشد ضراوة من أي سلطة انتقالية أو مؤقتة.

الواقع أن التفاؤل الذي ساد خلال الشهرين الأولين من عمر السلطة التنفيذية الحالية أخذ يتلاشى مع التصريحات المتضاربة لحكومة الوحدة الوطنية بشأن المؤسسة العسكرية وملفات أخرى لا تقل حيوية، وزادت الفجوة بين عدد كبير من أعضاء الحكومة.

علاوة على السعي الحثيث لمعاجلة تطورات الأزمة من خلال منهج العلاقات العامة الذي يحدث ضجيجا سياسيا من دون أن يقدم نتيجة ملموسة يمكن الرهان عليها أو حتى يعطي أملا في إمكانية حدوث التغيير المنشود.

تؤكد الجولات الخارجية الكثيفة التي يقوم بها كل من رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس الحكومة عبدالحميد الدبيبة، أن مفاتيح الأزمة موجودة في حوزة قوى إقليمية ودولية، وهذا حق قد يراد به باطل لأن الدور الفاعل الذي تقوم به جهات خارجية لعب دورا مهمّا في عدم تفكيك الأزمة، لكن أيضا يصعب لهذا الدور أن ينجح وهو لا يملك أدواته الداخلية المؤثرة التي تحتاج إلى حسم في اتخاذ القرارات.

يشير تفسير عدم التركيز على الداخل إلى أن السلطة التنفيذية عاجزة عن التعامل مع القوى المحرضة والمحركة للكثير من التطورات، والذهاب إلى الخارج يوحي فقط بأن هناك نشاطا سياسيا بلا مردودات إيجابية حقيقية ويطيل عمر الأزمة ويعيد الدوران في حلقة مفرغة قادت إلى بقاء حكومة السراج المؤقتة أكثر مما يجب.

لن تلغي حملات العلاقات العامة وجود المشكلات الداخلية أو تقضي عليها في زيارة أو أكثر، ولن تفلح في تحسين صورة السلطة التنفيذية لأن مرارة الواقع كافية لإفشال التحركات على أي مستوى ما لم تصطحب معها مقاربات عملية لتجاوز أخطاء متراكمة أدت إلى ارتفاع صوت جماعة الإخوان لتعطيل المسار السياسي وإدخاله في دوامات ودهاليز تعيد استنساخ تجربة السراج، حيث جنت مؤسسات رسمية عديدة مكاسب من استمرارها لأطول مدة ممكنة.

ليس المقصود توجيه الاتهامات لقوى سياسية معيّنة في السلطة، لكن النتيجة التي ستتمخض عنها التوجهات الحالية للإخوان تقود إلى فقدان الأمل في الحل وزيادة حدة التشوهات السياسية، وبالتالي التشاؤم في إجراء انتخابات تعدّ بابا يمكن الخروج منه إلى مرحلة واعدة تنهي حقبة مريرة من عدم الاستقرار.

لذلك من المهم أن يقوم المجتمعون في مؤتمر برلين 2 باتخاذ حزمة قرارات تضبط مسار العملية السياسية برمتها، وتمنع التلاعب الذي تقوم به قوى ترى فائدة في تعطيلها، وتمثل المخرجات الحيوية التي يقدمها المؤتمر بوصلة للتعرف على وجهة القطار الليبي، وهل يستطيع التحرك على قضبانه إلى الأمام أم ينحرف ويعود إلى الخلف ويدهس معه كل أصحاب النوايا الحسنة الذين حاولوا تصحيح الأوضاع.
 
 العرب اللندنية


تعليقات القراء
لايوجد تعليقات على هذا الخبر
أضف تعليق
اضافة تعليق جديد

الحقول التي أمامها علامة * هي حقول لابد من ملأها بالبيانات المطلوبة.

:
:
:
 
أخر الأخبار
أقراء أيضا
أستفتاءات
هل تعتقد اننا انتهينا من خطر كورونا؟
نعم
لا



تابعونا على الفيس بوك