أعادني المقال المثير للجدل لسفير دولة الإمارات العربية في واشنطن يوسف العتيبة - الذي نُشر الأسبوع الماضي في صحيفة يديعوت احرونوت إلى عام 1988 - أعادني لمقال آخر أحدث ذات الضجة للسيد بسام أبوشريف مستشار الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، والذي حاول نشره في صحيفة واشنطن بوست، وكانت فكرته تتمثل بعرض مشروع سلام فلسطيني أمام المجتمع الدولي قائم على مبدأ «الأرض مقابل السلام» وتحديداً قرار مجلس الأمن رقم 242 الذي لم يكن حتى ذلك الوقت يحظى رسمياً بموافقة منظمة التحرير الفلسطينية ولا فصائلها، للمقال قصة طويلة انتهت في ردهة فندق الأوراسي الشهير في الجزائر العاصمة، على هامش انعقاد القمة العربية في يونيو من عام 1988 والتي كانت مكرّسة لدعم الانتفاضة الفلسطينية، وكان بسام أبوشريف ومعه عدد محدود من القيادات الفلسطينية، يفكرون بصورة «ثورية - بناءة» ويرون أن الانتفاضة بحاجة ماسة إلى مشروع سياسي يمنعها من التحول إلى «ثورة عبثية وبلا أفق»، وقتها عقد أبوشريف مؤتمراً صحافياً في الفندق حضره أكثر من مئتي صحافي وكنت واحداً منهم، ووزّع علينا معاونوه مشروعه السياسي الذي كان سبباً مباشراً في فتح أول حوار بين منظمة التحرير والولايات المتحدة.
وقتذاك لم يسلم شخص مثل بسام أبوشريف وبتاريخه النضالي العريق من الاتهامات والتشويه من قبل «دهاقنة مدرسة العدم السياسي»، الذين ما زال عدد منهم يتسيد المشهد العام، واعتقد أن السفير يوسف العتيبة يمر بتجربة مماثلة، ومثلما كانت مقولة القيادة الفلسطينية آنذاك إن السلام يريد شُجعاناً واسمته «سلام الشجعان»، قد أدت مفاعيلها بإلقاء تلك التهم ضد أبوشريف في سلة المهملات، أعتقد أن ذات المبدأ وذات المقولة ستفعل فعلها بالمتمترسين بالسوء ضد شجاعة العتيبة المتمثلة في اختراق أكثر الصحف الإسرائيلية انتشاراً وتأثيراً، ونشره مقالاً تاريخياً فيها يحذّر نتنياهو من سياسة ضم الضفة الغربية، في رسالة مباشرة للرأي العام الإسرائيلي أساسها التحريض على نتنياهو وسياسته المتطرفة تجاه الشعب الفلسطيني، وتجاه حقوقه المشروعة واستمراره في إغلاق آفاق السلام وتقويض حل الدولتين ووأد كل الجهود التي أنجزها العالم للوصول إلى فرصة سلام تاريخية بين الشعب الفلسطيني والدولة العبرية.
خطوة العتيبة ولكونها خطوة سياسية - إعلامية مبتكرة وغير نمطية، صدمت «العقل الاستاتيكي المتحجر»، ووجدها المؤدجلون من مشارب عدة «إخوان» أو«قوميون» أو«يساريون» حالة من «تسول التطبيع»، ووضعوها نغمة في سمفونية مشروخة، اعتدنا على سماعها عند كل منعطف تاريخي يمكن أن يتم فيه «إنقاذ ما يمكن إنقاذه»، وربما تكون جرأة المرحوم الحبيب بورقيبة - الرئيس التاريخي لتونس - أكبر مثال على ذلك عندما أعلن موقفاً جريئاً مغايراً لكل ما كان سائداً في ذلك الزمن، وتحديداً في عام 1956 وطالب وقتها العرب بالموافقة على قرار التقسيم الصادر عام 1947، وكانت النتيجة وعند زيارته مدينة أريحا (الضرب بالبصل والبيض الفاسد والبندورة) وهتف «ثوار البندورة»، ضده ووصفوه بالخائن.
مقال العتيبة أحدث ضجة أكبر بكثير من كل التصريحات المستنكرة والشاجبة لقرار الضم، والأهم هو ذلك الأثر الذي أحدثه داخل المجتمع الإسرائيلي الذي - وبكل أسف - يفتقد العقل السياسي العربي بشقيه الرسمي والشعبي لأي نوع من محاولة التأثير عليه أو فيه، علماً أنه هو «الرافعة الحقيقية» في صناعة القرار داخل «الدولة العبرية»، وليس أي عامل آخر.
لا علاقة لي بالسيد العتيبة ولم ألتقِه يوماً، ولا أدافع عنه شخصياً بل أدافع في مقالي هذا عن فكرة اختراق «العقل الإسرائيلي»، وكيفية كسبه ومحاصرة التطرف والعنصرية فيه، وأعتقد جازماً بأنه وكلما تعزز وتعمّق خطاب السلام تجاه هذا العقل، كلما زادت بكل تأكيد مساحة الرأي العام المضاد لنتنياهو ولليمين المتطرف بشكل عام، والذي يعتاش على عاملين اثنين وهما أولاً: الفعل المتطرف، وثانياً: الخطاب المتطرف.
... «صاروخ يوسف العتيبة» نجح في ضرب تل أبيب بقوة تفوق صواريخ المزايدات العسكرية والسياسية، التي جُبل عليها العرب عندما ارتضوا انتقال فلسطين من قضية إلى ورقة في ملف هذه الدولة أو ذاك المحور. وأصاب هدفه المتمثل بـ «جدار العقل الإسرائيلي» وترك بصمته عليه كما هزّ «الموروث التلمودي» لليمين الإسرائيلي، والذي ما زال يعتاش على تسويق اكذوبة أن العرب لا يؤمنون بالسلام، وأعتقد أنه من غير الإنصاف هدر جهد السفير العتيبة وتحويله من جهد ضد الخصم، إلى إعادة إنتاجه، إلى جهد يخدم الخصم، وبكل أسف بأدوات إعلامية وسياسية عربية.
Rajatalab5@gmail.com
نقلاً عن موقع الرأي
وكالة كل العرب الاخبارية